استقرار مصر كمصلحة أميركية

الاثنين 2016/11/21

منذ نجاح دونالد ترامب المرشح الجمهوري في الانتخابات الأميركية، لم تتوقف بورصة الاجتهادات والتوقعات والتكهنات، حول طبيعة سياساته، بعد دخول البيت الأبيض في العشرين من يناير المقبل، وحاول الكثيرون استشراف المعالم، من خلال تصريحات أطلقها أثناء حملته الانتخابية.

توقف عدد كبير من المراقبين لشؤون المنطقة، عند قضايا الشرق الأوسط، وأكدوا أنها سوف تحتل جزءا من اهتمامات إدارته، وبدت مصر واحدة من الدول المرشحة لأن تستفيد من صعود ترامب، وكشفت الإشارات والتلميحات التي صدرت عنه، أو عبر عنها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، أن هناك انسجاما بين الزعيمين، وربما “كيمياء مشتركة” يمكن أن توجد مساحة للتعاون بينهما، تتجاوز حدود مكافحة الإرهاب.

في الحـوار الذي أجراه السيسي مـع وكالة الأنبـاء البرتغالية، بمناسبة زيارته الأحد للشبونة، تعززت الانطباعات الإيجابية، حيث أكد الرئيس المصري أنه “يتوقع دعما أكبر من ترامب لبلاده”، ما يعني أننا أمام مرحلة جديدة في العلاقات بين القاهرة وواشنطن.

مرحلة تُظهر فيها الولايات المتحدة قدرا كبيرا من البراغماتية، على حساب المواقف الأيديولوجية التي حكمت جانبا من حسابات إدارة الرئيس باراك أوباما، كما أنها لا تحتمل أنصاف الحلول، أو اللعب على التناقضات التي تموج بها المنطقة، ولن تكون هناك فائدة حقيقية من توظيف السيولة الراهنة لصالح أي طرف، فهذه مرحلة عنوانها الرئيسي “الوضوح والصراحة في التعامل مع قضايا المنطقة”.

بالطبع استفادت مصر، من التناقضات التي طغت على مواقف قوى إقليمية ودولية، ومنحتها مساحة من المرونة، وجعلتها تنفتح على الجميع تقريبا، وتبدو مواقفها معتدلة، لا تُغضب أحدا أو تنحاز صراحة لأحد، ونجحت هذه السياسة في أن تبعد القاهرة عن خسائر كثيرة، ولا سيما أنها تزامنت مع فترة ارتباك في الداخل المصري، وتصاعد في الأزمات، ما جعلها غير قادرة على تحمل نتائج المواقف الجدية.

الآن الصورة اختلفت من ناحيتين؛ الأولى أن مصر أصبحت أكثر هدوءا واستقرارا، واتخذت حزمة من الإجراءات الاقتصادية الإصلاحية، تساهم في التعافي على أصعدة متباينة، وبالتالي متوقع أن تتلاشى حجة الانخراط في الأزمات المحلية، والانكفاء فقط على وضع سبل حلها، كمبرر للابتعاد عن تبني مواقف حاسمة في قضايا وملفات خارجية.

إذا كانت القاهرة مصممة على القيام بدورها الإقليمي، فمن الضروري أن تتجاوز مرونتها المعهودة، التي يعتبرها البعض “عجزا أو كسلا غير مبرر، ولا يتناسب مع طموحات القيادة المصرية”، فأيّ دولة تريد أن تكون مؤثرة في محيطها، لا بدّ أن تتخلى عن حذرها الزائد، وتمتلك زمام المبادرة والتأثير في عدد من القضايا المحورية.

أما الناحية الأخرى للاختلاف، فتتعلق بوجود الرئيس ترامب، الذي تؤكد التوجهات العامة لسياساته، عدم الميل إلى الحذر، والابتعاد عن الليونة أو إمساك العصا من منتصفها في التقديرات السياسية الحرجة، وأن حلفاءه الحقيقيين، ومن المرجّح أن يكون في مقدمتهم الرئيس السيسي، عليهم ألا يكونوا أقل جرأة منه، لأن قواعد التعاون الاستراتيجي بين القاهرة وواشنطن، تتجاوز ملف مكافحة الإرهاب، الذي ظهرت عليه ملامح تفاهم في اللقاء الأخير الذي جمع السيسي وترامب في سبتمبر الماضي.

المعلومات المتوافرة، تقول أن هناك مجموعة سياسية وأمنية واقتصادية في مصر، تعكف على تحديد المفاتيح الأساسية لتطوير العلاقة بين البلدين، ومحاولة تجنب الإضرار بعلاقات القاهرة مع دول أخرى، وهذه المجموعة أو الخلية، بدأت بالفعل عملها منذ اللحظة التي أعلن فيها عن فوز ترامب، أملا في وضع ركائز استراتيجية تجنب مصر الخسائر المتعددة التي تكبدتها، بسبب سياسات أوباما وفريقه، وتعظم المكاسب في عهد ترامب، ويكفي أن نعرف أن “نيويورك تايمز” و“واشنطن بوست” نشرتا من يونيو 2013 وحتى يونيو 2016، نحو مئة افتتاحية، كلها انتقدت بضراوة الأوضاع في مصر، ناهيك عن التقارير الكثيرة السلبية من جانب المنظمات الحقوقية.

الهجمات الإعلامية، سواء كانت عن قصد أو من دونه وتقف خلفها جهات معينة أو نتيجة سوء فهم للتطورات في مصر، أرخت بظلال سيئة على صورة الرئيس السيسي لدى قطاعات أميركية عديدة، وازدادت تأثيراتها القاتمة، لأنها ركزت على ملف الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان، وهي من الثوابت الظاهرة لدى صانع القرار في واشنطن، بصرف النظر عن أنه ينتمي إلى الحزب الجمهوري أم إلى الديمقراطي، لذلك من المنتظر أن تُقدم القاهرة على خطوات جريئة في هذا الفضاء، وتُحسن الصورة المغلوطة، التي جعلت الحكومة المصرية كأنها متفرغة لممارسة انتهاكات منظمة.

فبعد أن خلّف مشروع الفوضى الخلاقة الذي ظهرت تجلياته إبان عهد أوباما، تداعيات أخذت تضرّ بمصالح الولايات المتحدة في المنطقة، أصبح غير مستبعد أن تتبنى واشنطن مشروعا اقتصاديا عملاقا، يكون رأس حربة لتقليص دور بعض القوى المناهضة، ومكافحة الإرهاب، حيث تتغذى الجماعات الإسلامية المتشددة على الفقر والمرض والجهل، فإذا تم تجفيف المنابع التي تمثل رافدا مركزيا له، يمكن أن يتراجع الخطر، وتحجم بعض القوى، التي استفادت من أخطاء الولايات المتحدة، عن مناطحتها سياسيا وأمنيا.

في هذا السياق نتذكر تجربة كوريا الجنوبية، التي تبنتها الولايات المتحدة في ستينات القرن الماضي، حتى تحولت إلى عملاق اقتصادي، كان مقدمة لظهور عدد من النمور الآسيوية، ومدخلا لمحاربة المد الشيوعي في منطقة رخوة اقتصاديا، وليست بعيدة عن الدوران في الفلك السوفييتي.

هل يمكن أن تتحول مصر إلى نموذج واعد، يكرر تجربة كوريا الجنوبية، وينقلها بطريقة جديدة ومتطورة إلى منطقة الشرق الأوسط، ويكون بابا مناسبا لمكافحة الإرهاب، بدلا من الاستغراق في حروب تطيل أمده؟

الإجابة بنعم أم لا، تتوقف على عاملين؛ الأول طبيعة الرؤية التي يعمل من خلالها الرئيس الجديد، ومدى الوضوح في استراتيجيته لمحاربة الإرهاب، وقدرته على وقف المنحنى الذي صاغته إدارة أوباما، ومعالجة التأثيرات السلبية بوسائل غير تقليدية.

العامل الثاني، يتعلق بقدرة مصر على صياغة منظومة محكمة، تقتلع الإرهاب من جذوره، وتهيّئ البيئة اللازمة لمكافحته، بالأدوات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، حتى ترقى لتكون نموذجا يستحق الدعم الغربي، لوقف نزيف الدم والهجرة والفوضى المترامية، التي وصلت انعكاساتها إلى العديد من الدول.

كاتب مصري

9