استقطاب سياسي حاد في الجزائر يسبق مرحلة ما بعد بوتفليقة

الأربعاء 2015/06/17
حنق الجزائريين في تصاعد مستمر في ظل ضبابية المشهد السياسي وغموض المستقبل

تسارعت التطورات السياسية بشكل مذهل في الجزائر، منذ انعقاد المؤتمر العاشر لحزب جبهة التحرير الحاكم نهاية الشهر المنصرم، وإذ ساد الانطباع لأيام بغلق السلطة للّعبة وفرض خارطة الإصلاح التي تريدها، فإنّ ردود فعل المعارضة وتكتلها، تجلت في انعقاد المؤتمر التأسيسي لحزب “طلائع الحريات”، الذي يرأسه رئيس الحكومة السابق والمعارض علي بن فليس وانعقد مؤخرا، والذي يشير إلى بداية تشكل استقطاب حاد بين الطرفين ينبئ بمزيد من التطورات.

وقد جاءت دعوة أحمد أويحي، المحسوب على السلطة الأخيرة، لتشكيل قطب سياسي مؤيد للسلطة، يتشكل من القوى التي نشّطت الحملة الانتخابية للعهدة الرابعة للرئيس بوتفليقة، وإعطائه الانطباع للرأي العام بأنّ خارطة طريق الإصلاح ستكون بأطراف السلطة ولصالحها، لتلقي بظلالها على معسكر المعارضة الذي يدرس الخيارات المتاحة لمواجهة هذا الوضع الجديد، وأولها توسيع جبهة المعارضة وتمتين ترابطها لفرض رؤيتها على السلطة.

وإن حاول أويحي تقديم السلطة في وضع مريح ورفع عنها حالة الترهّل وصراع الأجنحة، بدفاعه عن الجميع، المؤسسة العسكرية والمخابرات ورجال الأعمال وكذلك الحكومة والأحزاب الموالية لبوتفليقة والبرلمان، فإنّ عددا من المتابعين باتوا يتطلّعون إلى “طلاّت” زعيمة حزب العمال لويزة حنون، كونها باتت واجهة لجناح لم يكشف عن هويته في هرم السلطة، يتناقض مع خيارات أويحي ويدافع عن بوتفليقة، بينما ينتقد الحكومة والحزب الحاكم ورجال الأعمال المقربين منهما.

وبدوره فقد استبق النائب البرلماني عن جبهة العدالة والتنمية، حسن عريبي، التطورات المتسارعة والاستقطاب المتنامي بين معسكري السلطة والمعارضة، وقرّر بدوره جرّ نائب وزير الدفاع وقائد أركان الجيش إلى قبة البرلمان، بتوجيه سؤال شفوي له حول مضمون وخلفية رسالة الدعم والتأييد التي وجهها إلى رئيس جبهة التحرير الوطني عمار سعداني.

ونظرا لرمزية هذا السؤال (كونه لأوّل مرة تطلب مساءلة ضابط عسكري داخل قبة البرلمان) من غير الوارد أن يتقدم الفريق قايد صالح للردّ على استفسار النائب حسن عريبي، لأنّ تقاليد مساءلة الأسلاك العسكرية والأمنية غير قائمة في البرلمان الجزائري، وسيتم إحالة الأمر في أحسن الأحوال إلى وزير العلاقات مع البرلمان طاهر خاوة. ولكن على الرغم من ذلك فإنّ هذه الخطوة تعدّ سابقة من نوعها تُسْقط جملة “طابوهات” التي تَرفُّع المؤسسة العسكرية عن المساءلة السياسية والقانونية.

بالعودة إلى عودة أحمد أويحي المعروف بـ'دهائه السياسي'، يرى مراقبون أنّها مرتبطة بإدراكه بشكل جيد لحجم الانسداد الذي وصلت إليه البلاد

وقال النائب عريبي، موجها كلامه إلى قايد صالح “إنّ رسالة التهنئة أو رسالة المبايعة التي أُرسلتها إلى سعداني وتناولتها الصحافة الوطنية دون أن يصدر تفنيد أو تكذيب من طرفكم، تعتبر خرقا للدستور وتراجعا من المؤسسة العسكرية عن مهامها، خاصّة أنها صادرة عن قائد الأركان ونائب وزير الدفاع، أي صادرة من شخص مكلف بمهمتين الأولى عسكرية والثانية مدنية باعتباره عضوا في الحكومة، ولهذا فإن الشعب الجزائري لم ولن يقبل بأن يقوم أي شخص مهما كان مستواه أو منصبه بزج المؤسسة العسكرية في متاهات الأحزاب”.

وبالعودة إلى عودة أحمد أويحي المعروف بـ”دهائه السياسي”، يرى مراقبون أنّها مرتبطة بإدراكه بشكل جيد لحجم الانسداد الذي وصلت إليه البلاد وحالة الترهّل التي تعيشها السلطة منذ الانتخابات الرئاسية الأخيرة، لكنه يريد بالدرجة الأولى أن يظهر بمظهر المنقذ للسلطة حتى يضمن لنفسه موطئا في مرحلة ما بعد بوتفليقة.

وقد بدا طموح أويحي الكبير جليا من خلال التصريحات التي أطلقها في أعقاب عودته على رأس حزب السلطة الثاني (التجمع الوطني الديمقراطي) الذي غادره مكرها في 2012، حيث أنه تعدّى سقف القائد العائد لقيادة حزب سياسي، إلى سقف رجل سلطة يخفي الكثير من الاستفهامات حول طموحاته.

وقد دفعت مسارعة لويزة حنون إلى التأكيد، مؤخرا، على انتقاداتها الشديدة لمن تسميهم بوزراء “الأوليغارشيا”، ونفوذ رئيس منتدى رؤساء المؤسسات الاقتصادية علي حداد، ورسالة قايد صالح التي وصفتها بـ”المنزلق الخطيرة والانحراف”، والانخراط الجماعي لوزراء سلال في مركزية جبهة التحرير الوطني، أويحي إلى انتقادها، وهو ما يؤشر على أنّ حالة “الانسجام”، التي أراد الأخير إضفاءها على أجنحة السلطة، ليست بذلك التلاحم الذي سَوّق له في ندوته الصحفية، بما أنّ خطاب حنون المنتقد يعكس موقف جناح غير مكشوف للرأي العام.

وقد انتقدت حنون في تجمع لأنصارها بمحافظة سوق أهراس، شرق العاصمة، تصريحات أويحي بالقول “قايد صالح برتبة فريق في الجيش وقائد أركان المؤسسة العسكرية ونائب وزير الدفاع الوطني، والرسالة وجهها لرئيس حزب سياسي يملك الأغلبية، فكيف تعتبر رسالة غير سياسية، إذا سلمنا بما جاء على لسان أويحي؟”.

وأضافت مستغربة “هناك ثمانية أحزاب سياسية انتقدت رسالة قايد صالح لعمار سعداني، فكيف لأويحي أن يوجّه رسالته لشخصي فقط، ولم ينتبه أنّه يزاوج بين وظيفتين في آن واحد، فهو رئيس لحزب سياسي وأمين عام لرئاسة الجمهورية، وهو أمر يتناقض مع شفافية ونزاهة العمل السياسي”.

6