استقلالية الأجهزة الأمنية في الجزائر تحجمها المؤسسة العسكرية

الجيش الجزائري يفرمل نفوذ الولاء السياسي في مفاصل المؤسسات الأمنية.
الثلاثاء 2018/07/24
الأمن في قلب الصراع السياسي

الجزائر – لا زالت حملة التطهير الواسعة التي طالت جهازي الأمن والدرك في الجزائر تثير تساؤلات المراقبين، قبل ثمانية أشهر من الانتخابات الرئاسية المنتظرة ما يشير إلى الدور الذي ستلعبه المؤسسة العسكرية العائدة بقوة إلى الواجهة في المرحلة القادمة. وتعتبر الأوساط السياسية أن قيادة الجيش الجزائري تسعى للحد من استقلال الأجهزة الأمنية عن السلطة بهدف إحكام قبضتها عليها.

وأفادت مصادر أمنية مسؤولة، لـ”العرب “، أن تحرك المؤسسة العسكرية خلال الأسابيع الأخيرة يستهدف احتواء الأجهزة الأمنية من الانفلات الذي بدأت ملامحه تبرز في السنوات الأخيرة. وسعى جهازا الأمن والدرك لاكتساب استقلالية تدريجية، بعد الإصلاحات التي نفذها الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة منذ العام 2013 وشملت بشكل عميق جهاز الاستخبارات الذي تم حله وإقالة كبار ضباطه ومسؤوليه. وأضافت المصادر أن “الاستقلالية التي لوحظت على أداء مؤسستي الأمن والدرك في السنوات الأخيرة، خلقت مراكز قوة مؤثرة في القرار الأمني والعسكري”. وأوضحت أن قيادة الجيش أزعجها تحول الجهازين إلى مركزي قوة تزاحم المؤسسة العسكرية في صلاحياتها ونفوذها وثقلها في المشهد العام للبلاد، لا سيما مع الامتدادات المرتبطة بالشخصيات المؤثرة في هرم السلطة.

وتشير نفس المصادر إلى أن حملة التطهير، التي طالت رأسي الجهازين وهما الجنرالان عبدالغني هامل ومناد نوبة، تزامنت مع فضيحة شحنة الكوكايين الضخمة المحجوزة نهاية شهر مايو الماضي في ميناء مدينة وهران ( 450 كلم غربي العاصمة). لكنها ترى أيضا أن إقالة الجنرالين تؤكد عزم القيادة العسكرية على القيام بحملة تطهير واسعة، يتم بموجبها استعادة الوصاية على جهازي الأمن والدرك.

وكان القائدان السابقان للمؤسستين قد حققا نجاحات أمنية خلال السنوات الماضية. وتطور جهاز الأمن من نحو 90 ألف منتسب إلى أكثر من 200 ألف منتسب، كما نفذ الجنرال عبدالغني هامل استراتيجية شاملة بما فيها إطلاق وحدات مختصة ومدربة بشكل عال على محاربة الإرهاب، الأمر الذي أكسبه نفوذا وثقلا يوازي بل ويزاحم النفوذ الكبير والثقل التاريخي لمؤسسة الجيش.

قرارات المسؤولين الأمنيين الجدد تعد امتثالا للاستراتيجية الجديدة لقيادة الجيش، لإحكام قبضتها على الأجهزة الأمنية

وألمح تصريح المدير الجديد لجهاز الأمن مصطفى لهبيري، أثناء استلام مهامه، أنه يعتزم تنفيذ استراتيجية جديدة تريد الجهات التي عينته في منصبه الجديد إدخالها لجهاز الأمن. ويعتقد مراقبون أن الجهات التي أوصلت لهبيري إلى منصبه الجديد دفعته لحملة إقالات وترقيات واسعة في صفوف الجهاز، للإطاحة بالمسؤولين الموالين للمدير السابق لجهاز الأمن والتي كانت بمثابة الأذرع القوية لتنفيذ سياساته.

وصرح لهبيري، في أول لقاء له مع وسائل الإعلام، بأن “الاستراتيجية الجديدة للجهاز هي الولاء والطاعة”. ويرى المتابعون أن هذه المصطلحات استعملها لهبيري لطمأنة كل عرابي التحول الجديد وإثبات جدارته على تنفيذ السياسة الجديدة. وحمل اضطلاع المؤسسة العسكرية بملف شحنة الكوكايين، منذ كشف القضية إلى غاية إحالتها على القضاء، رسائل قوية لهرم السلطة مفادها جدارة المؤسسة على حماية حدود البلاد من المخاطر الأمنية والإرهاب والجرائم. كما تسعى مؤسسة الجيش لتأكيد عدم تفريطها في دورها ونفوذها في مفاصل الدولة، مما جعل المراقبين يعتبرون أن الحادثة مؤشر على تحول جديد في مسار الأجهزة الأمنية ينتهي معها الاستقلال عن سلطة المؤسسة العسكرية.

وكشف وزير الداخلية والجماعات المحلية نورالدين بدوي، في احتفالية الشرطة الجزائرية منذ يومين، عن مخطط جديد لتطوير جهاز الأمن قال إنه جاء بإيعاز من الرئيس بوتفليقة.

وصرح بدوي أن “خارطة طريق تتضمن محاور تقنية وعلمية وعملياتية سيجري تنفيذها من طرف القيادة الجديدة بتعليمات من رئيس الجمهورية، من أجل إعطاء دفع جديد لهذا الجهاز الحيوي الذي سيعرف قفزة نوعية في المرحلة القادمة”.

وأضاف “أن الرئيس بوتفليقة يولي أهمية كبيرة لجهاز الأمن والأجهزة الأخرى، من أجل مرافقتها وتحقيق الأهداف وفق خطط علمية وعملية محكمة حتى تكون في مستوى التحديات الراهنة”.

وتابع بدوي قائلا إن “قوات الأمن تسهر على تجسيد سلطة الدولة في الميدان، وفق ما تقتضيه القوانين وهي مطالبة بتطبيق تشريعات الجمهورية خدمة لراحة وأمن المواطن”.

وحسب مصادر مطلعة، فإن احتفالية العيد 56 لتأسيس الشرطة الجزائرية حملت رسائل تعديل عقيدة ورسالة جديدة لجهاز الأمن وإنهاء سياسة السنوات الأخيرة. وكانت هذه المؤسسة تتمتع بنوع من الاستقلالية في السابق استمدت قوتها من علاقة ضيقة بين قائدها السابق الجنرال عبدالغني هامل والحلقة الضيقة في محيط رئاسة الجمهورية.

وشهد جهاز الدرك هو الآخر حركة واسعة شرع فيها القائد الجديد عبدالغني بلقصير، فور تنصيبه خلفا لسلفه مناد نوبة، بإقالة العديد من الضباط السامين والقادة المحليين في البعض من المناطق. وجاءت قرارات بلقصير امتثالا للاستراتيجية الجديدة التي استحدثتها قيادة المؤسسة العسكرية، من أجل إحكام قبضتها على كل الأجهزة الأمنية واحتواء استقلالها التدريجي عن سلطتها.

ويرى مراقبون في الجزائر أن قيادة أركان الجيش، برئاسة الجنرال أحمد قايد صالح، بإجراءاتها الجديدة تكون قد استعادت نفوذها أشهرا قليلة قبل الانتخابات الرئاسية. ولا يستبعد هؤلاء أن يكون لقايد صالح موقفا بشأن هوية مرشح السلطة سواء كان بوتفليقة أو غيره.

4