استقلالية المركزي التونسي في تقاطع النيران

أحزاب سياسية تعارض استقلالية البنك المركزي عن الحكومة.
الجمعة 2020/01/03
ارتباك مستمر في إدارة الاقتصاد

عادت مسألة استقلالية البنك المركزي التونسي لتطفو على السطح مجددا ولتثير جدلا واسعا بين الأطياف الاقتصادية بعد أن حمّله شق من الطبقة السياسية مسؤولية فشله في انتشال البلاد من أوضاعها المالية بسبب استراتيجيته النقدية الضعيفة.

تونس - فتح مقترح برلماني يقضي بإلغاء قانون يمنح البنك المركزي التونسي استقلالية ذاتية في إدارة سياساته النقدية، باب الجدل على مصراعيه، وهو ما يقوض فرص نشاطه بعيدا عن التجاذبات السياسية، التي يبدو أنها لن تنتهي.

ويبدو أن مشاكل التضخم وارتفاع أسعار الفائدة وتدهور سعر صرف الدينار أمام العملات الرئيسية كانت سببا كافيا للضغط من أجل تغيير شكل وطريقة عمل البنك المركزي مستقبلا.

ومع عودة الجدل حول مسألة استقلالية المركزي في نشاطه عن السلطة التنفذية، تسارعت وتيرة المعارضين لطريقة عمل البنك بعد أن قدمت كتلة المستقبل النيابية الشهر الماضي، مشروع قانون يرمي إلى جعل المركزي ضمن دائرة صنع القرار، مبررة الخطوة بأنه فشل في القيام بدوره.

مريم الفرشيشي: سياسات البنك المركزي لم تعد تناسب أوضاع الاقتصاد
مريم الفرشيشي: سياسات البنك المركزي لم تعد تناسب أوضاع الاقتصاد

وتقول مريم الفرشيشي الناطقة الرسمية باسم حزب الاتحاد الشعبي الجمهوري، أحد أحزاب الكتلة التي تضم أيضا تيار المحبة ومستقلين، إن التشريع الحالي الذي يمنح المركزي الاستقلالية عن الحكومة “لا يتماشى مع الاقتصاد التونسي الذي يعاني من التضخم وارتفاع الدين الخارجي وسيجبر الدولة على الاقتراض من البنوك التجارية بفوائد عالية”. وأضافت أن “ذلك مفارقة في بلاد تعاني من ركود اقتصادي ونجد فيها بنوكا تجارية تُثرى على حساب الدولة”.

وتنص المادة الثانية من القانون الأساسي للمركزي الذي صادق عليه البرلمان في أبريل 2016 على أن يكون البنك مستقلا في تحقيق أهدافه ومباشرة مهامه والتصرّف في موارده.

وتشير تلك المادة كذلك إلى أن المركزي يخضع للمتابعة والمساءلة من البرلمان في ما يتعلق بتحقيق أهدافه ومهامه.

ومن المفارقات أن المعارضة في البرلمان السابق اتهمت كلّا من حركة النهضة وحليفها نداء تونس بالسعي إلى “نسف” استقلالية المركزي وإخضاعه لرقابة الحكومة بعد إسقاط مقترح حول استقلاليته بدل ممارسة صلاحياته في إطار السياسات الاقتصادية للدولة بحرية تامة.

وكان أمين عام الاتحاد الشعبي الجمهوري لطفي المرايحي قد أكد في تصريحات إذاعية في نوفمبر الماضي أن استقلالية المركزي شكلت خطوة خاطئة في طريق إنقاذ الاقتصاد.

وقال حينها إن “الاقتصاد التونسي انكمش في الوقت الذي يحتاج فيه إلى التنفس بسبب الأدوات المضرة التي استعملها البنك المركزي في معالجة نسبة التضخم”. وأضاف أن “استقلالية البنك المركزي من الأخطاء القاتلة في تونس”.

وتؤكد دراسات لمؤسسات مالية ووكالات تصنيف دولية أن البنوك المركزية الأكثر استقلالية عن السلطة التنفيذية عموما والسلطة المالية بشكل خاص تصدر عنها سياسة نقدية أفضل واستقرار اقتصادي أقوى وأطول أمدا.

وحمل أول ظهور لمحافظ المركزي الحالي مروان العباسي أمام الإعلام خلال شهر مارس 2018، في طياته غيوما من التشاؤم بشأن اقتصاد البلاد المتعثر، في ظل استمرار تعطل محرّكات النمو الاستراتيجية.

وتتفاقم محنة صنّاع السياسات المالية في تونس بين مواجهة ارتفاع التضخم وغليان الأسعار وبين حماية النموّ الاقتصادي الهش، في محاولات شاقة للصمود والابتعاد عن شبح الإفلاس غير المعلن، كما يقول محللون. ورغم التدابير التي اتخذتها السلطات المالية لكبح جماح الواردات بهدف معالجة الاختلال الكبير في الميزان التجاري، الذي بات يتجاوز كل عام سقف 6 مليارات دولار، إلا أنها لم تساعد حتى الآن على بروز نقطة ضوء في نفق الأزمة المظلم.

ويرى البعض من خبراء الاقتصاد أن مقياس أي اقتصاد هو تدفق الاستثمارات وأيضا نشاط قطاع العقارات، الذي يشهد تراجعا في تونس بسبب ارتفاع أسعار الفائدة، والتي تتجاوز 7 بالمئة. وفي نوفمبر الماضي، كشف المعهد الوطني للإحصاء عن تباطؤ نمو الاقتصاد التونسي إلى 1.1 بالمئة على أساس سنوي في الأشهر التسعة الأولى من 2019، مقابل 2.6 بالمئة بمقارنة سنوية.

ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يحقق الاقتصاد التونسي نموا بنسبة 1.5 بالمئة بنهاية العام الماضي، و2.4 بالمئة في 2020، و4.4 بالمئة في 2024. كما يرجح أيضا انخفاض معدلات التضخم في البلاد من 6.6 بالمئة في نهاية العام إلى 5.4 بالمئة في 2020، ثم إلى حدود 4 بالمئة في 2024.

وقبل يومين من دخول العام الجديد، كشفت الحكومة عن ارتفاع احتياطات النقد الأجنبي خلال شهر ديسمبر الماضي لتصل إلى أكثر من 6.7 مليار دولار، وذلك للمرة الأولى منذ عدة أشهر. وأكدت أنها أصبحت تكفي لتغطية 109 أيام من عمليات الاستيراد.

وقال المركزي التونسي إن حجم احتياطات النقد الأجنبي زاد بنسبة تزيد على 46 بالمئة عن الحجم المسجل في نفس الفترة من العام الماضي والبالغ آنذاك نحو 4.58 مليار دولار والذي كان يكفي لتمويل الواردات لمدة 82 يوما.

11