استقلالية "بي بي سي" على المحك بعد التدخل السياسي

الاثنين 2014/08/04
الثقة في هيئة الإذاعة البريطانية بدأت تضمحل

لندن –تدخل رئيس الوزراء البريطاني ووزير المالية في قرار تعيين رئيس لـ"بي بي سي"، أثار موجة استنكار واسعة في الأوساط الإعلامية البريطانية، واعتبرته أمرا يهدد استقلالية الهيئة العريقة.

انتقد المدير العام السابق لـ”بي بي سي”، غريغ دايك، تدخّل السياسيين في إدارة شؤون القناة، مؤكّدا معارضته لتدخّل ديفيد كاميرون وجورج أوسبورن في عملية اختيار رئيسها الجديد.

وجاء في صحيفة الغارديان البريطانية، أن مديرين سابقين لـ”بي بي سي”، صرّحا أنه ليس من المستغرب أن يسعى وزراء إلى تعيين رئيس جديد للشركة، نظرا إلى النفوذ السياسي الذي تتمتع به القناة والغموض الذي يحيط بطبيعة الوظيفة التي يتقاضى المتحصّل عليها 110،000 جنيه استرليني في السنة. عقب انسحاب سيباستيان كو، الذي كان يحظى بمساندة ديفيد كاميرون وجورج أوسبورن، هذا الأسبوع من المنصب، صرّح غريغ دايك، المدير السابق للمؤسسة، بأنّه ما كان يجب السماح للسياسيين بالتدخّل في قرارات الإدارة.

وقال دايك: “ليس من المفروض أن تكون لهذه العملية علاقة برئيس الوزراء أو وزير المالية. ينبغي أن يتقدّم المرشّحون للوظيفة، ثمّ تدرس لجنة مستقلة تابعة لوزارة الثقافة والإعلام والرياضة جميع ملفات الترشح قبل أن يتمّ اقتراح أسماء المُختارين على وزير الثقافة. أهمّ ما في هذه الوظيفة هي أنها غير سياسية. علينا حماية استقلالية “بي بي سي”، وهذا أمر ضروري”.

وفي الوقت نفسه، استخدم الرئيس السابق لـ”بي بي سي”، مايكل ليون، لهجة أقلّ حدّة ليعرب عن قلقه، وسط تزايد التكهنات بسعي الوزراء البريطانيين إلى العثور على مرشح بارز. وقال ليون، “يفتقر المنهج عامة إلى التنظيم، ومع تصاعد تكهنات الصحافة وآراء الوزراء، أصبحت هذه العملية علنية، ممّا يعرقل تقدّمها”. وأضاف الرئيس السابق أنّ عملية اختيار رئيس جديد صارت اليوم أسوأ ممّا كانت عليه، قبل ثلاث سنوات، عندما تمّ تعيين خلفه، كريس باتين. وقال: “لا أتذكر هذا المستوى من القلق عندما تمّ تعيين كريس أو تعييني”.

رسميا، تتولى وزارة الثقافة عملية التعيين، تحت رعاية الوزير الجديد صفيد جافيد، الذي بادر، في شهر مايو، بجمع آراء خبراء المجال بشأن مجموعة من المرشحين المحتملين من بين الأكثر تأهيلا للحصول على المنصب. إلّا أنّ كاميرون، وبشكل أوضح، أوسبورن، شاركا في العملية وراء الكواليس، ولم يخف الثنائي أنّ مرشحهما المفضل هو النائب السابق في حزب المحافظين، سيباستيان كو.

انسحب كو من المنصب هذا الأسبوع، استنادا على قلقه بشأن عدم توافق أوقات العمل التي تتطلبها الوظيفة مع التزاماته الأخرى. ومن المعيب أنّ المسؤولين كانوا قد بادروا بتغيير الوصف الوظيفي للمنصب، للحد من أيام العمل الأسبوعية، حتّى تتماشى مع جدول أعماله المعتاد.

غريغ دايك: "ما كان يجب السماح للسياسيين بالتدخّل في قرارات الإدارة"

وقال دايك إن إحدى الصعوبات الرئيسية تتمثّل في اقتناع معظم المراقبين بأن هيئة الإذاعة البريطانية الثقة ستضمحلّ قريبا، أو على الأقل ستشهد تغييرات جذرية، كجزء من تجديد الميثاق الخاص بها سنة 2016. وقال: “من وجهة نظري هي وظيفة من الصعب تحمّل مسؤوليتها. كما من الصعب التنبؤ بمآل هذا المنصب بعد سنتين من الآن. بعد تجديد ميثاق ‘بي بي سي’، ستُحذف وظيفة رئاسة الثقة بي بي سي”.

وقال أحد أقدم وأبرز الخبراء الملمّين بطرق البحث عن الرؤساء السابقين لهيئة الإذاعة البريطانية إن عملية التعيين عبارة عن “حفر قبور”، واصفا مآل هذه المطاردة بالكارثة التامة. وقال المصدر: “تغيير مواصفات الوظيفة حتى تتناسب مع شخص واحد، والعدد الهائل من التسريبات التي مرت في هذه العملية، كلّها أمور تجعل المرشحين الجيدين ينسحبون. لن يخاطر المرشحون الجيدون بتلويث سمعتهم بسبب التسريبات المتواصلة للسياسيين. لذلك، عادة، سرعان ما ينسحب المرشحون الجديون”.

وقد أعلنت العديد من الشخصيات البارزة في المجال عدم رغبتها في الترشح (بالرغم من تفضيل الرأي العام وخبراء المجال لها)، على غرار مارجوري سكاردينو، الرئيسة التنفيذية السابقة لمالك صحيفة “فاينانشال تايمز″ ورئيس سوني السابق والمدير غير التنفيذي لـ”بي بي سي” هوارد سترينجر، وسارة هوغ.

ويقول ليون: “عندما يبادر مرشحون بالانسحاب في مرحلة متأخرة من العملية، يتمّ ذلك عادة للاستشارة ودرس الآفاق”. ويضيف: “تُثبت الأحداث الأخيرة أنّه أصبح من الضروري وضع نموذج رسمي تجري في كنفه عملية الاختيار بسرية بالغة”.

ويبقى الرئيس التنفيذي السابق لشركة “برودنشيال”، نيك بريتتيجوهن، المُرشح الوحيد الذي تمّ إعلان هويته من بين قائمة مختصرة مكوّنة من أربعة أو خمسة مرشحين بارزين. إثر جولة المقابلات، سيجتمع كلّ من المرشحين “المؤهلين” بجافيد الذي سوف يختار مرشحا مفضلا سيمثل أمام لجنة تحديد الثقافة والإعلام والرياضة في مجلس العموم.

ويملك جافيد الحقّ لإعادة إطلاق عملية بحث جديدة، ومع ذلك، من غير المحتمل أن يبادر بذلك، لا سيما بظهور باتين كمرشح في أواخر الجولة الأخيرة من عملية البحث.

18