استقلال الفتاة عن الأسرة.. حرية تحكمها محاذير

الخميس 2013/09/12
شعور الفتاة بالوحدة يجعلها فريسة سهلة للانحراف

القاهرة – حق الفتاة في الاستقلال بحياتها بعيداً عن أسرتها مطلب بدأت بعض منظمات حقوق المرأة ترفعه، وتؤكد عليه لأنها ترى أنه يحقق المساواة بين الجنسين ويدل على أن المرأة مخلوق قوي قادر على الاعتماد على نفسه، لكن البعض يرى أن هذا المطلب يتنافى وطبيعة المجتمعات العربية الإسلامية ويهدد وحدة الأسرة وسلامة المجتمع.

تقول الدكتورة عزة فتحي أستاذة التربية بجامعة عين شمس: يجب ألا نربط في أذهاننا بين الإقامة خارج بيت الأسرة وبين الانحراف السلوكي، لأن إقامة الفتاة أو الشاب مع أسرهم ليست هي العاصم من الانزلاق في طريق الانحراف؛ فهناك شباب وفتيات يقيمون مع أسرهم وانحرافاتهم السلوكية فاقت كل الحدود. هذه ليست دعوى لتشجيع الفتيات على الاستقلال بحياتهن والإقامة بعيداً عن أسرهن، لكن إن اضطرتها ظروف العمل أو التعليم، فلا مانع من ذلك حتى أمام انتقاد المجتمع.

وترى د. عزة أن الجانب المرفوض من هذه الفكرة هو أن تترك الفتاة منزل أسرتها رغبة في حرية أكثر أو استقلالاً بذاتها أو للبعد عن مشاكل نفسية داخل نطاق أسرتها، رغم أن هذا قابل للتطبيق ومقبول لدى الطبقات الاجتماعية الراقية، فهي لا تجد مشكلة في حصول الفتاة على شقة منفصلة كبداية لحياة مستقلة. لكن هذه الخطوة قد تكون بداية الانحراف بسبب التقليد الأعمى لأصدقاء السوء، حيث أثبتت الدراسات الحديثة أن 90 بالمئة من أسباب انحراف الشباب يرجع إلي أصدقاء السوء.

وتنصح د.عزة العائلات لتجنب خروج بناتهم من المنزل، بأن يكون الحوار المثمر متواصلا مع الأبناء في كل المراحل العمرية، فمن خلال إقامة علاقة صداقة بين الآباء والأبناء نفهم أفكارهم وآرائهم ونراقب تحركاتهم، بذلك نستطيع التدخل في الوقت المناسب لصد أي فكر خاطئ قبل أن يخترق عقولهم.

الخطوة الثانية هي تعليم الأبناء القيم الدينية والاجتماعية الصحيحة بعيداً عن التطرف والمغالاة، فلطالما اعتبر الدين من أهم وسائل الضبط الاجتماعي باعتباره العرف الذي يستند له المجتمع وأحيانا يسبق القانون في أهميته بالنسبة للأفراد.

وتقول الدكتورة آمال هلال أستاذة علم الاجتماع: نحن مجتمع شرقي محمل بمجموعة من القيم والتقاليد التي يحكمها المنهج الإسلامي، فيضع الأطر التي يجب أن يتصرف على أساسها الفرد، ففي الحديث الشريف "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" تكون الأسرة راعية لأبنائها ويجب أن تستمر هذه الرعاية حتى يصيروا أفرادا صالحين في المجتمع.

وتضيف أن الفكرة التي نحن بصددها تهم في المقام الأول الطبقة الوسطى في المجتمع، وهي فئة اجتماعية عريضة تحكمها التقاليد والمرأة من مكوناتها الهشة الضعيفة المستهدفة من قبل المجتمع الذكوري، الذي يسمح للرجل أن يمارس عليها تسلطه وظلمه، لذلك فإن إقامة الفتاة بمفردها سيعطي انطباعاً سيئاً عن أسلوب حياتها وعن مدى الحرية التي تحكم سلوكها وستكون فريسة سهلة في مجتمع يتميز بسرعة إطلاق الشائعات.

وتدعو هلال إلى ضرورة الانتباه إلى أن هذه الدعاوى المستوردة، لأن هدفها هو تحطيم الثقافة الخاصة بمجتمعنا الإسلامي عن طريق خلخلة العلاقات الأسرية، فالأسرة هي خط الدفاع الأخير الذي يجب أن نحافظ عليه والميزة التي نتفوق بها على الغرب وهدمها هو هدم للمجتمع كله، ومن ثم يجب أن نعي أن تمسكنا بالترابط الأسري لا يعني أننا متخلفون بدليل أن الغرب يعاني من ضياع مفهوم الأسرة.. في حين مازالت بعض الأسر في الريف الأوروبي تتمسك بالقيم، فالأخلاقيات والقيم الأصيلة واحدة في كل الأديان السماوية ولكن الاختلاف بينها يكون في الحدود والقواعد.

مواكبة الأسرة ضرورية للفتاة حتى إن استقلت عنها

ويري الدكتور أحمد محمد الشرنوبي أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر أن المطالبة بحق الفتيات في الاستقلال عن أسرهن والعيش بعيداً عنهم بدعوى الحرية الشخصية أو العمل أو الدراسة فكرة لا يقبلها الدين، ولا تتماشى مع تقاليد مجتمعاتنا الشرقية فمن شأنها أن تجرد المرأة من كل عوامل القوة والحماية وتحرمها من الملجأ الآمن المتمثل في الولي الأمين عليها المتكفل بحمايتها ورعايتها والوقوف بجوارها إذا شعرت بما يتهددها، كما أن من شأنها أن تجعلها هدفاً للطامعين المتربصين الذين لا يقيمون وزناً للفضيلة، مشيراً إلى أن استقلال المرأة بالمعيشة وحدها قد يجعلها ضعيفة أمام إغراءات التمدن والحرية والموضة.

ويضيف أتصور أن هذه الفكرة جذورها غربية يمارسها الغرب مع الفتيات والشباب الذين ينتقلون من مرحلة دراستهم الثانوية إلى الجامعية؛ حيث تدعمهم الحكومات الغربية مادياً وعلمياً، مشددا على أن هذا الوضع يساعد على شيوع الفاحشة وكثرة عدد الأطفال غير الشرعيين، وظاهرة حمل الفتيات المراهقات، كما يساعد علي انتشار الأمراض الجنسية مثل الأيدز، وهي سلبيات يعاني منها المجتمع الغربي والتي كلت عقول المصلحين الاجتماعيين في البحث عن حلول لها. ويؤكد الشرنوبي أن نشر مثل هذه الفكرة والتمكين لها في مجتمعنا سيؤدي إلى ظهور السلبيات التي يعاني منها الغرب، فمن الجهل أن ننقل إلى أمتنا أفكاراً تعاني من سلبياتها الأمم الأخرى خصوصاً أن لدينا ديناً يرفضها لتعارضها الصريح مع تشريعاته التي تدعو للفضيلة وتحفظ المرأة من كل ما يتهددها وتحافظ على حياتها وطهرها وعفتها بالبعد عن عوامل الانحراف، وصيانة عرضها.

وتقول الدكتورة آمال يس أستاذة الفقه بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر: دأبت بعض الجمعيات النسائية تحت شعار حقوق الإنسان على محاولة الخروج بالمرأة مما ينبغي أن تكون عليه من الحفظ والصيانة بدعوى أن للمرأة حقوقاً كما للرجل وأن من حق المرأة أن تستقل بنفسها وتنفرد بحياتها بعيداً عن أسرتها، متناسين بذلك أن القصد في الشريعة الإسلامية من الحضانة والولاية هو التعهد بما يصلح للإبن-ذكراً كان أو أنثي- ويقيه مما يؤذيه.

وتشير يس إلى أن هناك حالات قد تستقل فيها المرأة بنفسها؛ منها أن تصبح كبيرة السن بلا زواج ولا يخشى عليها من الفتنة فلها حينئذ أن تنفرد عن أوليائها، ما دام لا يخشي عليها من الفساد، أما إذا كانت غير مأمونة على نفسها أو يخشى عليها من الفتنة إذا انفردت بنفسها فلوليها العاصم حق ضمها.. كما يجوز أن تستقل المرأة إذا عدم أولياؤها كأن ماتا، أو إذا كان العاصم غير أمين وغير قادر على حفظها لأن الولاية إنما هي للحفظ والإصلاح فلا يتولاه من اشتهر بالفساد. وترى أن الدعوة إلى انفراد المرأة بنفسها واستقلالها عن أبويها إنما هي دعوة غربية خالصة بعيدة تماماً عن شريعتنا الإسلامية، وليس لها ما يبررها سوى تشجيع المرأة على التحرر، فوجود الفتاة مع أسرتها رادع قوى وضابط لسلوكها وحياتها.

21