استلاب الوعي الجمعي

الخميس 2014/01/30

حينما نشرت الغارديان البريطانية قبل عدة أشهر بعض الأخبار المغلوطة عما يجري في مصر راجت مقولة مضحكة عن إخوانية الصحيفة. المدهش أن من روّج لهذه المقولة هم أبواق الإخوان أنفسهم بهدف السخرية من مناوئيهم من ناحية، والتأكيد على صحة تلك المعلومات من ناحية أخرى. في الزاوية المقابلة كانت النظرة إلى نشر تلك المعلومات تنحصر في أنها تأتي في إطار الموقف الأوروبي من تصحيح المسار الذي قام به الجيش المصري.

وبصرف النظر عن تكرار نشر معلومات وأخبار أو صور غير صحيحة من عدمه خلال الأشهر الماضية، فإن الصورة التي نشرتها الصحيفة لميدان التحرير في ذكرى 25 يناير على أن الحشد الهائل في الميدان هم من مؤيدي الإخوان تدل على أن هناك خللاً ما في تناول الحدث المصري. الحقيقة أنني لم أعثر على الصورة في الموقع الرسمي للصحيفة مما يعني أنها عوضاً عن تعديل النص حذفت الصورة والتعليق بالكامل، أو أن ما تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي حول ذلك غير صحيح. الفيصل في الأمر هو الطبعة الورقية.

إلا أن العبارة التالية، نصاً، التي جاءت ضمن تقرير Patrick Kingsley مراسل الصحيفة في القاهرة في 25 يناير 2014

The protesters defied threats of violence from an al-Qaida-inspired group, Ansar Beit al-Maqdis, which claimed responsibility for a series of bomb blasts in Cairo on Friday that targeted police and killed at least eight people

والتي تشير بوضوح شديد إلى محاولة المراسل أن يباعد بين المعارضين للحكومة وأعمال العنف التي تحدث في مصر وتصوير المحتجين وكأنهم هم من تحدى الموجة الإرهابية وخرج لممارسة حقه في الاعتراض بينما الحقيقة هي أن المستهدفين بالعمليات الإرهابية- من الجماهير أو الأجهزة- والذين تتهمهم قوى التطرف بالكفر هم من خرجوا في تحدِ سافر لتلك الموجة.

الغارديان ليست إخوانية بالتأكيد، وباتريك لم يتتلمذ على يد القرضاوي، لكن تبني وجهة النظر الإخوانية يؤدي بصحفي مثله إلى أن يسيء لصحيفته، التي إن أردنا أن نحسن الظن في توجهها بعد امتلاك قطر لحصة كبيرة فيها، سنقول أنها تمارس استلاباً غير مقصود للوعي.

ولعلي أتوسع قليلاً في المثال الثاني لأهميته على الصعيد المحلي، ففي إحدى لقاءات الجمعة كنت أتوقع أن يدور اللقاء الذي أجراه الزميل عبدالله المديفر مع الدكتور خالد الدخيل حول ما يمتعنا به دائماً من علم الاجتماع السياسي وما يتضمنه من علاقة الدولة بالمجتمع، وكيف تتأثر سياسات الدول بمجتمعاتها، وكيف يمكن للقوى المجتمعية أن تؤثر على القرارات السياسية والعكس صحيح. إلا أن اللقاء احتوى على الكثير من المعلومات الخاطئة التي تشير إلى محاولة فرض الفهم الجمعي للسياسة على العمل السياسي نفسه. لذلك جاء تحليله للقرارات السياسية المصاحبة للخريف العربي وتداعياته بعيدة عن واقعها وأسبابها الفعلية والأسس التي بُني عليها، وجعل منها تحليلات تمارس استلابا للوعي الجمعي السعودي بشكل لافت.

وسأعرض لمثال واحد فقط يمكن البناء عليه، فقد تحدث الدخيل عن أن القرار السعودي لا يخضع لمنطق المؤسسة في عملية اتخاذه، وأنه قرار فردي لا أحد يعرف كيف يتم. واستند في تأييد زعمه هذا على المعونة السعودية للجيش اللبناني، وتساءل عن كيفية اتخاذه ولماذا يتم هذا الدعم.

الحقيقة أن القراءة التاريخية المحايدة للقرار السعودي الداخلي والخارجي منذ التأسيس وحتى اللحظة، تشير بوضوح إلى أنه يخضع لآلية مؤسساتية ذات معالم واضحة من خلال العرض التاريخي للقرار السعودي على مختلف الأصعدة السياسية الدولية. ولا يعتد بحدوث بعض ما نصفه الآن بالأخطاء التكتيكية التي حدثت في مرحلة ما، فقد كانت في وقتها مطلباً استراتيجياً كقرار احتواء الإخوان أثناء فترة المد الناصري أو التشجيع على الجهاد في أفغانستان.

القرار بطبيعته على نوعين: إما أن يكون قراراً يستدعي العرض على أجهزة معينة داخل الدولة للدراسة والرأي، أو أن يكون قراراً له في النظام السياسي ما يدعم اتخاذه. القرار الذي تحدث عنه الدكتور الدخيل من نوع القرارات التي تتخذها الدول مدعومة بأعراف الدبلوماسية العامة. وكنت قد أشرت إلى ذلك باختصار في مقال سابق إلا أنه من الضرورة على ما يبدو أن نتوسع قليلاً طالما أن هناك من النخبة من يؤوّل الأمور على غير حقيقتها.

من المتعارف عليه أن الدبلوماسية العامة تهتم بخلق بيئات تمكين تختلف طبيعتها من دولة إلى أخرى، ولكنها تتفق في أن الهدف النهائي دائماً هو المصلحة القومية العليا للدولة التي تقوم بها، وهي في العادة ذات بند لا يتقيد بغيره ولا يتطلب موافقة أي جهاز حكومي باستثناء ما يمكن أن يؤثر على الاقتصاد العام للدولة. وحينما نتحدث عن الدعم السعودي للجيش اللبناني، فإن أول ما يلفت الانتباه أنه موجه للجيش لا للحكومة، مما يعني بوضوح أن له آلياته الخاصة التي ينبغي على من يتحدث أن يكون ملماً بها، لا أن يحكم من خلال فهم قاصر للواقع الجيوسياسي.

من المعروف تاريخياً حجم التغلغل الإيراني في لبنان ومحاولاتها الحثيثة لتحويله إلى دولة الفقيه. هذه المحاولات أثمرت نشأة دويلة الشيطان التي يتزعمها حسن نصر الله، وأصبحت تشكل تهديداً صريحاً لكيان الدولة اللبنانية ووحدتها. إضافة إلى ذلك فإن دويلة الشيطان التي خسرت في سوريا حتى الآن نحو ألف قتيل قد ربطت مصيرها بالنظام السوري الذي يعتبر ممر التمويل الآمن. فالمصلحة إذن تتطلب دعم السعودية للجيش اللبناني ليتمكن من تحجيم قوة حزب الله في الداخل اللبناني وسيطرته. الأمر الآخر الذي غاب عن الدكتور الدخيل أن السعودية لم تعد تنظر إلى الولايات المتحدة على أنها الحليف الاستراتيجي الذي يمكن الثقة فيه، خاصة بعد موقفها من ضرب النظام السوري بعد استخدامه للأسلحة الكيماوية ضد المدنيين، لذلك جاء الدعم السعودي هذه المرة عن طريق شراء أسلحة فرنسية وبضمانة فرنسية لوصولها إلى الجيش اللبناني تحديداً.

نحن أمام قرار، ليس فقط ضمن حدود وإطار الدبلوماسية العامة التي تمنح حق التصرف اللامحدود لدعم المصلحة القومية العليا، بل أمام قرار سيساهم في تغيير المعادلة في الشرق الأوسط وخلق تحالف جديد أمام المد الصفوي والتغلغل الإيراني في المنطقة. مثل هذه القرارات المصيرية لا يمكن أن تكون قرارات فردية وغير مؤسساتية كما يتصور الدخيل وبعض من ابتعد عن القراءة الصحيحة للأحداث والظروف المحيطة، واستعاض عنها بالرأي الشخصي المبني على الإثارة.

للأسف الشديد، هذه القراءة القاصرة لشخص في حجم الدكتور الدخيل هي استلاب من نوع آخر للعقل الجمعي الذي يثق في شخصه وعلمه.


كاتب سعودي

8