استلاب لغوي بمناسبة الناتو العربي

الأحد 2017/06/04

في ليلة خروجه الأول من “تحت الأرض”، يرى “جوفان” الذي ولد وكبر وتزوّج في القبو طائرا لا يعرفه، ويخبره أبوه “بلاكي” بأن اسمه وطواط، فيسأل الابن: هل هو خطر؟ يبتسم الأب في أسى موضحا أنه مجرد دجاج بري ليس خطرا. ينظر الابن إلى السماء بدهشة الاكتشاف: “الشمس!”، فيصحح الأب “هذا قمر يا بني، قمر”، فيتساءل الشاب: أين الشمس؟ ويأتي الرد: “نائمة، تستريح”. مشهد دال في فيلم “تحت الأرض” للبوسني أمير كوستوريتسا، أتذكره كلما غابت العلاقة بين الدال والمدلول، حين لا توجد له هيئة أو تصور ذهني.

أحيانا تكون للمدلول هيئة أنتجها سياق حضاري ومعرفي وجغرافي لا يدل إلا عليه، فكيف ننقل هذا الدال، ونستنسخه بزهوّ من اكتشف جديدا؟ كما جرى مع انعقاد القمة العربية الإسلامية الأميركية في الرياض (الأحد 22 مايو 2017).

من حقك أن تمنح ابنك ما تشاء من أسماء، أما الذي تستهلكه من أدوات فهو ثمرة تعب غيرك فلا تصير ابنا شرعيا مهما تسارع إلى تغيير اسمه. في القرن الثامن عشر وضع خادم اللورد الأسكتلندي “ساندويتش” شريحة من لحم بين طبقتي خبز، فأتاح لسيده مرونة أن يتناول طعامه بدون طقوس المائدة، في رحلة أو أثناء لعب الورق. وقد قاوم الساندويتش جهود مجمع اللغة العربية بالقاهرة في تعريبه، مرة إلى كلمة «شطيرة» وأخرى إلى جملة مفيدة «شاطر ومشطور… إلخ»، واحتفظ باسم اللورد وضاع حق الملكية على الخادم المجهول.

وفي الفنون استعصت السينما على التعريب بل الترجمة إلى أي لغة، وربما يرى الجيل الحالي في تعريبها القديم “دار الخيّالة” شيئا من الفكاهة. أما التليفون المكون من مقطعين يدلان على إمكانية الاستماع عن بعد، فعرّب إلى “المسرّة”، ونسينا الاسم العربي؛ لأنه دال لا يدل على هذا مدلول ربما لا يأتي بأي مسرّة. ولا تضيف إلى اللغة العربية أن يكون التلفزيون هو التلفاز أو المرئيّ، ففي تصريف التلفاز بعض من الفذلكة، أما المرئي فلا يقتصر على هذا الجهاز المنزلي، ويمكن أن نضيف إليه شاشة الكمبيوتر والموبايل الذي أصبح نهبا لاجتهادات التعريب؛ فسمي “النقال” و”الجوال” و”المحمول”.

إخراج المدلولات من بيئاتها لا يقتصر على المبتكرات، فحافظ إبراهيم استنسخ صورة بدوية صحراوية لا تعرفها مصر المحروسة بالنيل، بقوله “أمِن العدل أنهم يردون الماء صفوا وأن يكدر وردي”، وكان يكفينا البيت الأكثر صدقا لعمرو بن كلثوم “ونشرب إن أردنا الماء صفوا ويشرب غيرنا كدرا وطينا”.

لم يعش حافظ إبراهيم ليشهد استلابا لغويا لا ينتهي. يكتب مؤلفون عرب عن تضخم المشكلة “مثل كرة الثلج التي تكبر بمرور الوقت”، ناسين أنهم يعيشون في بيئات حارة إذا أمطرت قطع ثلج فلا تكون إلا حبات صغيرة تذوب قبل أن تلمس الأرض، ولا يرون ثلجا إلا الألواح المصنوعة لحفظ المأكولات. هناك شخص مجهول قرأ تعبير “كرة الثلج التي تكبر” فاستحسنه وترجمه، وردده غيره من غير تفكير، كما يردد الكثيرون مقولة “وضع النقاط على الحروف”، وهي تناسب لغات نقاطها فوق حروفها، أما العربية فلا يخجلها وجود نقاط تحت الحروف.

ومع نهم عربي على اقتباس أسماء مهرجانات ومعالم ومؤسسات، ينظم البعض من أهل الفنون في مصر أنشطة واحتفالات يسمونها مهرجانات تحمل أسماء “أوسكار الأغنية”، و”أوسكار السينما المصرية”، وفي العام الماضي (2016) أضافوا “أوسكار السينما العربية”، في دلالة على فقر الخيال. ولكن إطلاق مصطلح “الناتو العربي” على القمة العربية الإسلامية الأميركية في الرياض أبطل العجب، وكأن وفود أكثر من خمسين دولة عجزت عن ابتكار اسم لحلف مفترض، فأسعفهم حلف تأسس في واشنطن، لضبط الإيقاع الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، ثم ضم إسرائيل إلى عضويته، فماذا عن هذا الناتو “العربي”؟

روائي من مصر

11