استلام الجزائر لـ"الخليفة".. سقط علي بابا وبقي "الأربعون حرامي"

السبت 2014/01/04
رجل الأعمال المفلس ورقة مساومة في رئاسيات الجزائر

تعتبر قضية “الخليفة بنك” من بين أكبر الفضائح المالية التي عرفتها الجزائر منذ الاستقلال حيث خسرت فيها شركات تابعة للدولة وعدد كبير من المودعين، أموالا وصلت قيمتها إلى حوالي مليار ونصف المليار دولار. والمتهم الأول في القضية هو عبدالمؤمن رفيق الخليفة مالك البنك الذي هرب إلى بريطانيا عام 2003 ثم تمّ إيقافه في سجن بلندن عام 2007 في الانتظار، ثم تقرر في نهاية 2013 تسليمه إلى الجزائر.

بعد عشر سنوات من الجدل استعادت السلطات الجزائرية المتهم الأول فيما سمي بـ”فضيحة القرن”، التي كلفت خزينة الدولة مليار دولار، ولا زال الثمانية آلاف ضحية ينتظرون التعويض.

ولأن عبدالمؤمن الخليفة، له ما يقول وما سيكشف عنه للإجابة عن استفهامات أجلت لعشر سنوات. وأبرزها، كيف لشاب في ثلاثينات العمر، أن يتحوّل من صيدلي، إلى رجل أعمال كبير في ظرف سنوات قليلة جدا. وكيف له أن ينهار بنفس السرعة التي ظهر بها؟.

فإن الرأي العام ينتظر إجابات شافية من الخليفة أو من السلطة، عمن تواطأ أو دعم الرجل، وصنع منه واجهة تخفي وراءها شبكة من الفاسدين، بدليل اغتراف الكثير ممن كانوا آنذاك في الحكومة وفي هرم السلطة، من خيرات وهدايا، ومزايا الخليفة. ومن يقول عكس ذلك، كيف سيقنع الجزائريين بأن شابا في مثل هذا العمر والتجربة، ضحك على بلد بأكمله، واحتال على حكومة بوزرائها ودوائرها ومستشاريها، وهم الذين يفترض فيهم خدمة الدولة والدفاع على مصالحها؟

استلام الجزائر لرجل الأعمال المفلس في هذا الظرف بالذات، وقبل أربعة أشهر من الانتخابات الرئاسية، يثير الكثير من الاستفهامات، لأن رائحة صفقة تشتمّ من مثلث “بريطانيا- الجزائر- فرنسا”، لا سيما وأن الأخيرة تطلبه بدورها منذ سنوات، وبسبب مذكرة التوقيف الصادرة عن محكمة “نانتير”، هي سبب توقيف الخليفة في لندن عام 2007.

وما كان لها أن تتنازل عن طلب التوقيف لصالح الجزائر لو لم يكن في الأمر “إنّ”. وبريطانيا التي تردّدت طيلة عشر سنوات في تسليم الرجل للجزائر، بدعوى عدم توفر شروط المحاكمة العادلة، تكون قد حصلت على المقابل بصيغة أخرى، لأنه لا شيء تغيّر في القضاء الجزائري بين السنوات الماضية وبين المدة الأخيرة.

وأما الجزائر التي تعيش حراكا سياسيا شرسا، تحسبا للانتخابات الرئاسية، ففيها سلطة تريد الاستمرار لبوتفليقة في قصر المرادية للمرة الرابعة. ولقطع الطريق على منافس يشكل خطرا على مرشحها. فإن استلام الخليفة يعني “إحراج” المرشح، علي بن فليس، بما أنه كان رئيسا للحكومة في سنوات عز الخليفة، وبالتالي إثبات علاقة بين هذا وذاك، وتحميل مسؤولية ملف الخليفة لبن فليس.


"الخليفة تي. في.".. الخط الأحمر


العارفون بخفايا المشهد الجزائري المعقد، يذكرون أن الخليفة ما كان له أن يسقط ذلك السقوط الحر. وكان بإمكان السلطة “لملمة” الملف بـ”التراضي” وبأخف الأضرار. لولا المنحى الذي نحاه الرجل، نحو إطلاق قناة “الخليفة تي. في.” من باريس ثم لندن، وإظهار مساندة علنية للمرشح، علي بن فليس، في رئاسيات 2004. وهي القشة التي قصمت ظهر البعير، وحوّلته في زمن قياسي من “فتى ذهبي” إلى “نصاب” مطارد.

ويقولون (هؤلاء العارفون) إن الملف سيؤجل إلى ما بعد الانتخابات القادمة، بدعوى عدم تشنيج الاستحقاق الرئاسي، لكنه سيحول خلال هذه الأشهر الفاصلة، إلى ورقة مساومة يتم من خلالها جس نبض المنافس، وقياس مدى استعداده للمغامرة في الاستحقاق، أو البحث عن انسحاب مشرف من السباق.

ودليلهم على ذلك أن تعاطي السلطة مع ملفات الفساد يبقى خاضعا لحسابات وأمزجة، ففيما تم توقيف صاحب مصرف “يونين بنك”، إبراهيم حجاس، واستقدام الخليفة. يبقى التستر قائما على ملفات أخرى يستمدّ أصحابها نفوذهم من محيط الرئيس بوتفليقة.

ويبقى ملف "سوناطراك 2" الذي يشير إلى ضلوع صديق الطفولة ورجل الثقة لبوتفليقة، الوزير السابق للنفط، شكيب خليل، في رشاوى وعمولات تضاربت الأرقام بحجمها وحجم الخسائر التي تكبّدتها الشركة، بين قائل بعشرات ملايين الدولارات، وبين متحدث عن ملايين الدولارات.


قراءات متعددة لسيناريو واحد


يبقى السيناريو المنتظر لمسار ملف الخليفة في دواليب القضاء محل قراءات متضاربة، بين مرجح لاحتمالين اثنين لا ثالث لهما. من وجهة نظر القاضي السابق، عبدالله هبول، الذي يحصر المسألة بين أن يرفع عبدالمؤمن الخليفة، طعنا بالنقض في قرار غرفة الاتهام وإحالة القضية على محكمة الجنايات، وعندها لن يحاكم إلا بعد أن تفصل المحكمة العليا في طعنه.

ملف الخليفة لتبديد مخاوف الولاية الرابعة لبوتفليقة من طموح بن فليس إلى قصر الرئاسة

ويكون ذلك بعد تبليغه قرار الإحالة في سجنه من طرف النيابة العامة، وعن طريق مدير السجن. وبين أن تبرمج القضية للمحاكمة إذا لم يستعمل الخليفة حقه في الطعن بالنقض في غضون ثمانية أيام، وهي المدة المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجزائية.

وأن الحكم الجنائي الذي صدر ضدّ الخليفة في 2007 ينعدم بقوة القانون ما دام ألقي القبض على المتهم، وذلك طبقا للمادة 326 من قانون الإجراءات الجزائية التي تفيد بانعدام الحكم الغيابي، بعد إلقاء القبض على المتهم الهارب. وحتى في حالة طلب المتهم أن تطبق عليها العقوبة، فإن القانون لا يسمح له بذلك، ما يفرض إعادة إجراءات المحاكمة من جديد، حسب المتحدث.

وأشار القاضي إلى أن الخليفة، سيبقى في الحبس المؤقت بناء على ذمة أمر القبض الدولي الذي صدر ضده. وأضاف بأن المحاكمة ستشهد مثول الخليفة مع بقية المتهمين، بمعنى تصبح قضية واحدة، لأن المحكمة العليا ألغت الأحكام التي صدرت في 2007 ضدّ عدد من المحاكمين. وفي هذه الحالة لا يسمح القانون بتجزئة ملف القضية، بمعنى أنه يمنع الفصل بين الخليفة وبقية المتهمين.

بينما يرى المحامي، ميلود براهيمي، الذي رافع في الملف عند معالجته قبل ست سنوات، بأن عبدالمؤمن الخليفة سيرد على التهمة الموجهة إليه وسيحاكم بمفرده.

وأوضح بأنه إذا استدعت محكمة الجنايات الأشخاص الواردة أسماؤهم في الملف والذين تمت إدانتهم في 2007، فسيحضرون في هذه الحالة كشهود وليس كمتهمين. وتجدر الإشارة إلى أن المحكمة العليا قبلت الطعن بالنقض في الأحكام الصادرة ضد المتهمين، والذي تقدمت به النيابة والدفاع. وبناء على ذلك ستعاد محاكمتهم، وفي هذه الحالة سيحضر رفيق الخليفة كشاهد وليس كمتهم، بحسب المحامي.

أما المحامي، مقران آيت العربي، فيرى أنه إثر تسليم عبدالمؤمن رفيق الخليفة أصبح الحكم الأول الصادر في حقه باطلا، وأصبح الخليفة متهما من جديد حيث ستعاد محاكمته. وأشار إلى أن المحاكمة الجديدة ستعتمد على التحقيق الأول، وقرار الإحالة الخاص بمحاكمة سنة 2007.

وأما بالنسبة إلى المحكوم عليهم في إطار محاكمة 2007، أوضح آيت العربي، أن الذين قدموا طعنا بالنقض يصبحون متهمين على غرار المتهم الرئيسي في القضية، وستعاد محاكمتهم من جديد. وبالنسبة إلى الذين تمّ الحكم عليهم نهائيا ولم يقدموا طعنا بالنقض لدى المحكمة العليا، فسيتمّ استدعاؤهم بصفتهم شهودا، والذين سجنوا منهم سيستفيدون من إجراء التعويض في حال ثبتت براءتهم. وأكد أن شهادة الخليفة في المحاكمة الجديدة، قد تقلب الكثير من الأمور وتسفر عن إدانة أشخاص تّمت تبرئتهم سنة 2007 وتبرئة من تمّت إدانتهم.


ثروة الولد لا علاقة لها بماضي الوالد


اعتبر رئيس اللجنة الوطنية الاستشارية لترقية وحماية حقوق الإنسان، المقربة من الحكومة، المحامي فاروق قسنطيني، أن موافقة المملكة المتحدة على تسليم رفيق عبدالمؤمن الخليفة للجزائر، اعتمدت على تقديم العدالة الجزائرية لملف مؤسس ومدعم بوثائق وسندات دامغة. وأكد أن العدالة الجزائرية، أولى من غيرها بمحاكمة عبدالمؤمن الخليفة، لأن وقائع الجرائم المتابع فيها كان محلها الجزائر. في إشارة إلى إمكانية محاكمة الخليفة في فرنسا لأنه مطلوب من طرفها أيضا.

والمثير في شخصية الرجل الذي لم يشأ كشف المستور، في آخر ظهور له على إحدى الفضائيات العربية قبل توقيفه في لندن. أن نجوميته في أيام العز والأضواء المسلّطة عليه خلال الانهيار. لم تمكن من إخراج عائلته ومقربيه إلى العلن ولو بتصريح مقتضب، فلا والدته ولا أشقاؤه ولا قريب نطق ببنت شفة لحدّ الآن.

وكشف شهادات نسبتها وسائل إعلام محلية لشخصيات قالت إنها عاشت جنبا إلى جنب مع والد عبدالمؤمن الخليفة، خليفة لعروسي، أنه لا علاقة لأموال الخليفة أو الثراء الفاحش الذي ظهر عليه “الفتى” فجأة، بوضع والده الاجتماعي، وقالت إن الوالد عاش وضعا لم يكن أبدا ليمهد للفتى الذهبي ما ظهر عليه.

عبدالمؤمن رفيق، ابن خليفة لعروسي، رزق به من زوجته الجزائرية الثانية، وهو من مواليد أكتوبر 1917 بمدينة عين البيضاء بأم البواقي، بشرق البلاد. عاش بها لفترة، رغم أن أصوله من ولاية الوادي الحدودية، وهو ابن شقيق الشاعر محمد العيد آل خليفة، وأحد عناصر ثورة التحرير في المنطقة.

ووالد عبدالمؤمن، كان محظوظا مقارنة بأبناء جيله، فقد مكنته الظروف من مواصلة تعليمه وتخرج بشهادة في الفلاحة. حيث أتقن اللغة الفرنسية والعربية معا، الأمر الذي رجح كفته وجعل الإدارة الاستعمارية تستعين بخدماته كرئيس دائرة بفرنسا. وتعرف هناك على إحداهن وتزوج بفرنسية أنجب منها طفلين. لم تخرجهما الفضيحة ولم تقلق سكينتهما أمام الرأي العام.


عائلة خارج الأضواء


وأضافت الشهادات، أنه بعد اندلاع الثورة التحق والد رفيق عبدالمؤمن، بالولاية الخامسة التاريخية، أين أصبح أكثر الشخصيات قربا من عبدالحفيظ بوصوف، مؤسس جهاز الاستخبارات الجزائرية خلال الثورة التحريرية. وعين لعروسي أمينا عاما لوزارة التسليح والاتصالات ومدير مدرسة الإطارات.

عبدالمؤمن رفيق الخليفة
◄ رجل أعمال جزائري مؤسس مجموعة الخليفة، والمدير العام لبنك الخليفة. تورط في قضية فساد شهيرة في الجزائر عام 2002، وهرب إلى بريطانيا. وظلت السلطات البريطانية تماطل في تسليمه، حتى تم تسليمه للسلطات الجزائرية في 25 ديسمبر 2013.

وشكل زواج خليفة من فرنسية مبعث أرق وشك للأب الروحي للمخابرات الجزائرية. خاصة أنه كان يشغل رئيسا لديوانه، هذا السبب جعل بوصوف يمنع لعروسي من أخذ الملفات إلى بيته، قبل أن يتهم صراحة الزوجة الأولى لوالد عبدالمؤمن بالجوسسة لصالح فرنسا، فطلقها سنة1961، إلا أنه فضل أن يكون هذا الطلاق فراقا بينه وبين صديقه عبدالحفيظ بوصوف، والتحق بجماعة بن بلة ومنه إلى جماعة هواري بومدين بوجدة، ليسانده خلال أزمة صائفة 1962. كما وقف لعروسي مع بومدين في انقلابه العسكري على بن بلة، ووقف إلى جانبه في محاولة الانقلاب على بومدين في 14 ديسمبر 1967 واعتقل واتهم بالمشاركة في الحركة، وحكم عليه بالسجن لمدة أربع سنوات وأطلق سراحه بعد سنة واحدة قضاها في السجن.

شغل والد الفتى، منصب نائب في أول برلمان للجزائر المستقلة، ووزيرا للتصنيع والطاقة، وسفيرا للجزائر بلندن، ومديرا عاما لشركة الخطوط الجوية الجزائرية، قبل أن تحط به الرحال ممثلا للجزائر في مجلس الأمن والسلم.

هذا المنصب كان مصدر تغذية لقدراته الفكرية فأصدر كتابين. وفي هذه المرحلة ظهر دور والدة عبدالمؤمن الخليفة، على اعتبار أن جميع الشهادات ذهبت إلى أن زوجته كانت عونا له عند نشرهما. ودرس الصيدلة وفتح صيدليته التي ورثها المتهم الرئيسي في قضية الخليفة بعد وفاة الوالد في 1 سبتمبر 1990.

أما والدته فتنحدر من بجاية بمنطقة القبائل، وتوسط في زواجه منها الشيخ عبد الرحمان شيبان، وأنجبت ثلاثة أبناء منهم، عبدالمؤمن. والعجيب في أمر الرجل، الذي مارس الصيدلة في بداية مساره لمدة ست سنوات، وانتزع صفقة صغيرة لاستيراد الدواء.

وفي 1999 أصبح الخليفة في زمن قياسي يملك 21 طائرة، قارب عدد عمال إمبراطوريته 13 ألف مستخدم، وبلغ رقم أعماله ملايين الدولارات وبرقم فوائد خيالي طرق الربع مليار دولار. ورغم أن مزايا وهدايا الخليفة أغرقت الجميع، بمن فيهم رموز السلطة وبطانتها. إلا أن ذلك لم يخرج أفراد العائلة إلى عالم المشاهير والأضواء، لا في ساعة الرخاء ولا في ساعة الشدّة.
14