استمالة المجالس المحلية تشعل الصراع بين حزبي السلطة في الجزائر

تطور الصراع بين حزبي السلطة في الجزائر، إذ يسعى كل منهما إلى تقوية موقعه في المشهد السياسي الحالي بالبلاد إلى جانب تعزيز فرصه في الانتخابات الرئاسية القادمة. ويشتكي التجمع الوطني الديمقراطي من ضغوط يمارسها مسؤولون وموظفون حكوميون محليون على منتخبي الحزب في المحليات لإجبارهم على الانسحاب من التجمع والانضمام إلى جبهة التحرير الوطني.
الجمعة 2017/12/15
أداء يعكس نفوذا محدودا

الجزائر - تجاوزت صراعات حزبي السلطة في الجزائر حدود المنافسة السياسية في الانتخابات. وبرز الأمر من خلال عدم الانسجام الحكومي في العزل بين المهام الرسمية والطموحات السياسية.

ورفع مسؤولون محليون ينتمون لحزب التجمع الوطني الديمقراطي تظلمات بسبب “ضغوط يمارسها مسؤولون محليون كبار على رؤساء بلديات منتخبين لدفعهم إلى الانسحاب من حزبهم (التجمع الوطني الديمقراطي) والالتحاق بحزب الأغلبية جبهة التحرير الوطني”. كما أكد هؤلاء أنه تقع مساومتهم بمشاريع التنمية المحلية لإجبارهم على الرضوخ لتلك الضغوط.

وقال محمد قيجي، النائب بالبرلمان الجزائري عن حزب التجمع الوطني الديمقراطي، إن “منتخبي الحزب يتعرضون لضغوط كبيرة في البعض من الدوائر الحكومية والولايات (هيئات حكومية محلية) من طرف المسؤولين المحليين الكبار من أجل الانسحاب من حزبهم والالتحاق بجبهة التحرير الوطني مقابل الحصول على برامج ومشروعات التنمية المحلية”.

وأفاد قيجي “تورط البعض من الولاة (مسؤولين محليين كبار) ورؤساء الدوائر الحكومية تجاوز كل الحدود السياسية والقانونية والأخلاقية وأبان عن انحياز فظيع للإدارة لصالح حزب جبهة التحرير الوطني”.

وأضاف أن هذا الانحياز “على حساب باقي القوى السياسية، بما فيها التجمع الوطني الديمقراطي، حيث تعرض منتخبينا في البعض من البلديات والولايات إلى إغراءات ومساومات وضغوط غير مسبوقة”.

وصرح جمال ولد عباس أمين عام حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم، في وقت سابق، بأن نحو 70 رئيس بلدية جديدا انضموا إلى حزبه بعد أن شاركوا في الانتخابات المحلية مع أحزاب أخرى أو ضمن قوائم مستقلة “على غرار رئيس بلدية الجزائر الوسطى عبدالحكيم بطاش الذي انتخب عن القائمة المستقلة اللؤلؤة البيضاء”.

وذكرت مصادر سياسية لـ”العرب” أن “قيادات جبهة التحرير الوطني مدعومة من مسؤولين حكوميين مدت عقب الانتخابات المحلية قنوات اتصال ومفاوضات مع العشرات من المسؤولين الجدد المنتخبين عن مختلف الأحزاب والمستقلين للالتحاق بالحزب مقابل دعمهم ببرامج تنموية”.

ورفع مسؤولون محليون ينتمون لحزب التجمع الوطني الديمقراطي في عدد من المحافظات شكاوى للرئيس بوتفليقة من أجل التدخل لوقف ضغوط تمارس عليهم من طرف الإدارة، كما هو الشأن بمحافظة الأغواط (400 كلم جنوبي العاصمة).

ويوحي الأمر باهتزاز التماسك داخل الأجهزة الإدارية والحكومية، بسبب الطموحات السياسية لحزبي السلطة في الجزائر.

وناقش رئيس الوزراء أحمد أويحيى باعتباره رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي، في وقت سابق، مع وزير الداخلية والجماعات المحلية نورالدين بدوي الضغوط الممارسة من طرف البعض من الولاة ورؤساء الدوائر الحكومية على المسؤولين المحليين المنتخبين عن حزب التجمع. ودعا أويحيى بدوي إلى حض الإدارة على الالتزام بالحياد والوقوف على مسافة واحدة بين جميع القوى السياسية.

وانتقد أويحيى، بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات المحلية، ما أسماه بـ”البعض من الظروف والملابسات المشبوهة التي حامت بالانتخابات المحلية الأخيرة” في إشارة إلى عمليات تزوير النتائج والتلاعب بإرادة الناخبين. كما اشتكى أويحيى من تعرض حزبه لتجاوزات خطيرة، لكنه تفادى إصدار أحكام في مستوى حدة الانتقادات التي وجهتها أحزاب المعارضة السياسية لتنظيم الانتخابات الأخيرة.

جبهة التحرير تسعى لتوسيع الفارق بينها وبين التجمع الديمقراطي في المحليات في خطوة تهدف لإنقاذ القيادة من الانتقادات

ويرى مراقبون سياسيون أن ارتباط الاستحقاق الانتخابي المحلي بالمستقبل السياسي للبلاد، وبالصراع بين سرايا السلطة على خلافة الرئيس بوتفليقة في قصر المرادية العام 2019، أضفى أهمية قصوى على الانتخابات المحلية.

ويؤكد المتابعون للشأن الجزائري أن أي طرف له طموح في الوصول إلى رئاسة البلاد لا بد أن يعتمد على الوعاء المحلي في البلديات والولايات. ويقولون إن “غياب الإجماع داخل السلطة حول خليفة لبوتفليقة وبروز طموحات متضاربة بين رموزها حوّلا الاستحقاق إلى فرصة لاستعراض القوى الشعبية”. وتابعوا “هذا الصراع جعل الانتخابات المحلية فرصة للسعي لتثبيت الامتداد والانتشار القاعديين، بهدف توظيفهما في دعم هذا المرشح أو ذاك خاصة وأن السجال بين ولد عباس وأويحيى لم يتوقف منذ شهور بسبب الطموحات السياسية لكليهما”.

وشكلت العودة القوية لحزب التجمع الوطني الديمقراطي إلى الساحة السياسية في الانتخابات التشريعية والمحلية الأخيرتين مصدر قلق حقيقي لحزب جبهة التحرير الوطني. واحتفظت الجبهة بموقعها الأغلبي، لكن حصيلتها تراجعت مقابل ارتفاع حصيلة الحزب الثاني في السلطة (التجمع الوطني الديمقراطي). ويزعج هذا الواقع كثيرا قيادة الجبهة.

وتحاول جبهة التحرير الوطني لعب جميع أوراقها لتوسيع الفارق بينها وبين خصمها في انتخابات البلديات والولايات، في خطوة تهدف إلى إنقاذ القيادة من الانتقادات ومخططات الإطاحة بها من طرف الشخصيات والأجنحة المناوئة لها داخل الحزب، من خلال حرق ورقة تواضع الحصيلة في الانتخابات.

وسعى أويحيى للظهور بمظهر الرجل القوي داخل السلطة وتوظيف نفوذه في رئاسة الوزراء لصالح حزبه، لكن عجزه عن حماية منتخبيه والنتائج المحصلة في الانتخابات المحلية الأخيرة ينم عن محدودية سلطته داخل الحكومة والإدارة وعن افتقاد غير مسبوق للانضباط داخل أجهزة الإدارة والحكومة.

ويعيد هذا الأمر طرح مسألة التغيير الحكومي من جديد، بحسب التسريبات التي تحدثت في الأسابيع الأخيرة عن تعديل حكومي جديد قد يطيح بأويحيى من رئاسة الحكومة. كما أن التجاذب بين الحزبين الأغلبيين قد يعيد ترتيب الأوراق داخل بيت السلطة، قبل عام ونصف العام من الانتخابات الرئاسية.

4