استمرار روابط الود بين المطلقين لا يخفف من وقع الطلاق على الأبناء

الأربعاء 2014/09/10
الطلاق حد فاصل ونقطة تحول كبيرة في حياة الأبناء

يحدث قرار الطلاق تغييرا هائلا ومزلزلا في حياة الأبناء، أيا كانت أعمارهم، فالطلاق يعني للأبناء نهاية عهد الحب والوفاق وكسرا لعقد الزواج المقدس بين الأبوين، كما يعني غياب أحد الوالدين عن مشهد الحياة اليومية، حيث يخيّر الأبناء بين خيارين أحلاهما مر، وحيث يكون هذا الخيار فهو يعني تحديا جديدا وتغييرا جذريا في رتابة الحياة اليومية التي كانت تسير على سجيتها في الماضي القريب، عندما كان الأب والأم يعيشان وأبناؤهما تحت سقف واحد.

الطلاق، يمثل دوما حدا فاصلا ونقطة تحول كبيرة في حياة الأبناء ذكورا وإناثا. ويرى الدكتور كارل بيكهارت، وهو طبيب نفسي في أوستن- ولاية تكساس الأميركية، أن الطفل في مواجهة هذا الامتحان العسير في مقتبل حياته، قد تتصف ردود أفعاله بكونها غير منطقية، غير متوقعة وغير محددة، حيث تتمحور مشاعره عند مجموعة من الأسئلة المعقدة والمخيفة لعل أهمها يتمثل في “ماذا سيحدث بعد ذلك؟” و”من سيعتني بي من الآن فصاعدا”، وصولا إلى السؤال الذي تحدد إجابته النقطة الفاصلة في حياة هذا الطفل وهو: “إذا لم يعد والدايا يحبان بعضهما بعضا، فهل سأفقد محبتهما في النهاية؟”.

ويؤكد الدكتور بيكهارت، في مقاله الأخير في مجلة “علم النفس” الأميركية أن مواجهة الأبناء بالحقيقة هي أفضل من محاولة الالتفاف عليها، حيث يتوجب إعلان قرار الانفصال بصورة واضحة للجميع، إذ أن إخفاء جزء من الحقيقة يجعل من الأبناء وخاصة صغار السن منهم معلقين بحبال الأمل الواهية، في انتظار اليوم الذي قد تعود فيه المياه بين الأبوين إلى مجاريها الطبيعية.

الآثار السلبية لطلاق الوالدين أو انفصالهما ستنعكس على الأبناء عاجلا أو آجلا مهما حاول الأبوان تمتين روابط أو صلات ودية بينهما

أما الأبناء في سن المراهقة فيتسم رد فعلهم بالعقلانية والواقعية بصورة أكبر، فهم سرعان ما يتكيفون مع الأمر الواقع على الرغم من استيائهم وحزنهم، كما أن الوالدين اللذين يسعيان إلى تعزيز حياة أبنائهما الاجتماعية ومحاولة رأب الصدع في جدار الأسرة الواحدة، وذلك بالبحث عن بدائل للتعاون المشترك في الحياة ويتواجدان معا في المجتمعات ظاهريا على الرغم من انفصالهما، قد لا يحققان الهدف المرسوم من ذلك بل سيزيدان الأمور تعقيدا خاصة في ما يتعلق بالأبناء الصغار، الذين ينتظرون بفارغ الصبر عودة الأم والأب للعيش تحت سقف واحد.

وضمن هذا السياق، أكدت دراسة حديثة أن الأبوين اللذين يحاولان الحفاظ على علاقة ودية تربطهما بعد الطلاق، من أجل مصلحة أبنائهما قد لا يحققان الهدف المنشود من ذلك، فالآثار السلبية لطلاق الوالدين أو انفصالهما ستنعكس على الأبناء عاجلا أو آجلا، مهما حاول الأبوان تمتين روابط أو صلات ودية بينهما في إطار شكلي، إن وجدت. وقوضت هذه النتائج الآراء التي تزعم بأن استمرار روابط الود والصداقة بين الطرفين المنفصلين، قد يخفف من وقع فعل الطلاق على الأبناء.

الدراسة التي أشرف عليها أكاديميان أميركيان، هي الأولى من نوعها منذ نحو عشرين عاما، التي ترصد الآثار السلبية التي يسببها انفصال الوالدين على حياة الأبناء، حيث رصدت ما يقارب 270 من الأزواج الذين انتهت حياتهم بالطلاق أو الانفصال بين عامي 1998 و2004.

ووصف 31 بالمئة من هؤلاء علاقتهم بأزواجهم وزوجاتهم السابقين بأنها تعتمد على المشاركة والتعاون في إدارة شؤون الأبناء، في حين أكد 45 بالمئة منهم أن علاقتهم فيها مستوى لا بأس به من التعاون والتفاهم مع وجود بعض الخلافات البسيطة، أما النسبة المتبقية منهم، وهي 24 بالمئة، فقد أكدوا أنهم من النادر أن يتشاركوا أو يتعاونوا في ما بينهم. كما أن خلافاتهم ما زالت في أوجها كما كان عليه الحال قبل حصول الطلاق.

وأوضحت نتائج الدراسة التي نشرت في دورية “العلاقات الأسرية” الأكاديمية الأميركية، أن الأطفال من أبوين مطلقين أكثر عرضة للمعاناة من المشاكل السلوكية وإدمان المخدرات. كما أنهم عرضة للإصابة بالأمراض النفسية كالقلق والاكتئاب، إضافة إلى التأخر الدراسي.

إلى ذلك، وجد الباحثون في جامعة انديانا برئاسة الدكتور جوناثان بيكماير، أن مشاكل هؤلاء الصغار لم يطرأ عليها أي تغيير حتى مع استقرار الأمور وتوقف المشاجرات والمشاحنات بين الوالدين بعد الطلاق.

أغلب الأطفال يفضلون العيش في جو من الفوضى التي تحدثها الخلافات بين الأبوين على العيش في الهدوء والسكينة في منزل يغيب عنه أحدهما

وكانت هذه هي ملاحظات أولياء الأمور، الذين أشار أغلبهم إلى أن سلوك الأبناء لم يطرأ عليه تغيير يذكر أيجابيا كان أو سلبيا على الرغم من تطور العلاقات بين الأم والأب بعد حدوث الطلاق، إيجابا أو سلبا.

لذلك، أوصى الباحثون بضرورة الحذر في التعامل مع الأبناء في حالة عدم تمكن الأهل من إقامة رابطة ودية شكلية بعد الطلاق، والحرص على عدم تعرض الصغار إلى مزيد من الأذى النفسي مما يتبع حالات الطلاق من مشاكل متعلقة ورواسب خلافات لم يتم حسمها.

وكانت دراسات عدة سابقة، أشارت إلى أن قرار الطلاق قد يبدو هو الحل المناسب للزوجين في كثير من الحالات، وهو أفضل بالتأكيد من استمرار وتصاعد حدة الخلافات بين الأبوين على الرغم من وجودهما في بيت واحد، إلا أن متخصصين في علم نفس الطفل لا يجدون في هذا الطلاق أي فارق يذكر من حيث تأثيره في الأبناء، فأغلبهم يفضلون العيش في جو من الصراخ والفوضى التي تحدثها الخلافات بين الأم والأب، على العيش في الهدوء والسكينة في منزل يغيب عنه أحد الأبوين.

21