استنساخ الحرب الأهلية في دولة جنوب السودان

الخميس 2013/12/26

لم تمر المحاولة الانقلابية الأخيرة على حكومة جنوب السودان ورئيسها سلفاكير ميارديت، كما سابقاتها، فقد تصاعدت هذه المرة نيران كثيرة من تحت الرماد. وتطاير الشرر من هذه المحاولة التي قادها نائب الرئيس السابق المقال رياك مشار، وتحولت إلى صراع قبلي ليصيب لهيبها استقرار الدولة ويتطاير شررها منذراً بزعزعة الأمن الإقليمي.

اندلعت الصراعات وأعمال العنف ابتداءً من جوبا عاصمة دولة جنوب السودان، وسرعان ما امتدت إلى أجزاء أخرى من البلاد. من ضمن المناطق المتأثرة بأعمال العنف ولاية جونقلي التي كثيراً ما واجهت خطر الاشتباكات العرقية. تصاعد القتال بعدما أجبرت قوات منحدرة من قبيلة النوير، جنوداً موالين للرئيس سلفاكير ميارديت على الفرار من حامية بمدينة بور عاصمة الولاية. وهذه الولاية والتي تعد من أكبر ولايات جنوب السودان لها أهميتها التاريخية فهي تختزن ذكريات الحرب الأهلية بين شمال وجنوب السودان. وقد طرق اسم المدينة أسماع الجنوبيين والشماليين لزمن طويل بوصفها مسرحاً للحرب وكثيراً ما جاءت في أهازيج المحاربين القدامى.

بالرغم من أنّ دولة جنوب السودان أصبحت دولة مستقلة في عام 2011 إلا أنّها احتضنت داخل كيانها مرارات وآثار الحرب الأهلية التي دارت بين جنوب وشمال السودان على مدى نصف قرن. وكما كان الصراع مركباً في حالة الشمال، فقد انتقل بنفس تعقيداته إلى الجنوب الذي يعاني أصلاً من سيادة هويات قبلية على أخرى. فبالإضافة إلى طبيعة المجتمع الجنوبي القبلية قامت الحركة الشعبية لتحرير السودان في ثمانينات القرن الماضي بزعامة جون قرنق في مايو 1983، بالاعتماد على القبيلة كمكوّن أساسي مثّلها زعيم الحركة نفسه الذي ينتمي إلى قبيلة الدينكا. ولا تزال القبيلة العنصر الأهم في دوافع الصراعات والانشقاقات السياسية. انشقت بعض المجموعات عن الحركة وجيشها، مثل الانشقاق الأكبر لمجموعة الناصر بقيادة رياك مشار من قبيلة (النوير) ولام أكول من قبيلة (الشلك) عام 1991. وهو الانشقاق الذي ترك شروخاً في العلاقة بين مجموعة العقيد جون قرنق ومجموعة (رياك مشار- لام أكول).

أتت محاولة الانقلاب الحالية التي قادها نائب الرئيس الجنوب سوداني المقال رياك مشار بعد مسيرة شد وجذب قادها الرجل داخل الحركة الشعبية التي انضم إليها منذ بداية تكوينها. فبعد إعلان النصر أسس رياك مشار الحركة الموحدة عام 1992، ثم حركة استقلال جنوب السودان عام 1995، وقاد عملية تفاوض مع حكومة الخرطوم توصلت إلى اتفاقية الخرطوم للسلام 1997، تم تعيينه بموجبها مساعداً لرئيس الجمهورية ورئيس مجلس تنسيق ولايات الجنوب. عاد رياك مشار بعد ذلك إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان عام 2000، مستقيلاً من مناصبه الحكومية بعد اتهامه الخرطوم بإرسال قوات لمحاربة مقاتليه في الجنوب.

أما أبرز الشخصيات الأخرى المتورطة في المحاولة الانقلابية فهو باقان آموم الأمين العام للحزب الحاكم الموقوف. عاد باقان أموم إلى الخرطوم بعد توقيع اتفاقية السلام الشامل بين الحركة الشعبية وحكومة السودان عام 2005. وبعد مقتل جون قرنق في يوليو من نفس العام، أصبح آموم الأمين العام للحركة الشعبية. تم تعيينه في منصب وزير دولة ‏في وزارة مجلس الوزراء، ولكن تمت إقالته في 2008 لعدم رضا الخرطوم عنه.

حافظ باقان آموم وهو من قبيلة (الشلك) على مكانته كالرجل الثاني بعد زعيم ومؤسس الحركة الشعبية الراحل جون قرنق، وهو من ضمن مجموعة “أولاد قرنق”، وهي مجموعة تتمسك بمبادئ زعيمها الراحل في وجه مخالفيه في الحركة الشعبية. واستمر ذلك إلى أن عمل الرئيس سلفاكير على استبعاده ورياك مشار باعتبارهما أكبر منافسيه ولنيتهما الترشح للانتخابات القادمة في 2015، مما اعتبراه تمهيداً لعهد ديكتاتوري أدى إلى انقسام حزب الحركة الشعبية بناءً على الخلفية العرقية.

وبالإضافة إلى النظام السياسي الهش الذي ورثته دولة جنوب السودان فضلاً عن الاقتصاد الضعيف والتعقيدات الاجتماعية، فقد كانت هناك قابلية كبيرة تحولت بموجبها الخلافات السياسية بين قادة الحزب الحاكم في الدولة إلى صراع قبلي. وتأسست هذه القابلية على أرضية الولاءات العشائرية التي لم يترفع عنها كيان الدولة الحديثة ومؤسسة الحكم المدعومة بهذه الانتماءات والتحالفات القبلية. هناك أيضاً شخصية الرئيس سلفاكير التي تفتقر إلى الكاريزما، وقد اتهمته مجموعة “أولاد قرنق” أنه سبب فقدان قيادة الحركة الشعبية روح الزعامة التي كان يتحلى بها زعيم الحركة الراحل جون قرنق.

إنّ المساعي المطروحة لوضع حد للأزمة ابتدرها الطرفان بنيتهما في عقد الحوار ولكن من غير المؤكد أنّ ذلك سيقود إلى تعافي البلاد كلياً، في ظل ما علق بالنفوس من أغراض التشفي والانتقام المدعوم بالاستقطاب القبلي. ففي خضم الفوضى المشتعلة، يتعذر الوصول إلى ما يمكن أن يفضي إليه الحوار من نتائج على الأرض. وهي ذات الأرض التي حصدت إفرازات الحرب الأهلية فاحتفظ قادتها السياسيون الجدد بعقلياتهم العسكرية، بينما اختزن شعب الجنوب في وعيه حصاد مرارات الحرب ومآسيها المتجددة في هذه الصراعات.


كاتبة سودانية

8