استنساخ فاشل لتجارب سينمائية ناجحة

"الخطة العايمة" كوميديا مصرية فجّة توظّف عاهات البشر للسخرية.
الثلاثاء 2020/10/20
إثارة الضحك في غياب المنطق

الكثير من صناع الكوميديا المصرية يقعون في فخ اللامنطق أحيانا، بجعلهم الإضحاك في أعمالهم الغاية الأولى والأخيرة، دون محاولة إسباغ مسحة عقلانية على أحداث القصة التي يقدّمونها، أو الاهتمام بتفاصيل الحبكة وتنامي الصراع، ليصبح السيناريو مجموعة اسكتشات أو قصصا مفكّكة لا يجمعها خيط درامي واحد.

القاهرة – أصبح تشرذم النص الداخلي سمة عامة للأعمال الكوميدية المصرية الجديدة، التي يجمع بينها سيناريو مأزوم لا يراعي طريقة منطقية في تناول الأحداث، وكيفية ربطها معا في حبكة تتضمّن صراعا، وتحوّلا للشخصيات، وعقدة تصل بالمشاهد للاقتناع.

تعتمد غالبية أعمال الكوميديا حاليا على اختيار مجموعة من الأبطال المحبوبين من الجمهور صغير السن، وبناء قصة على مقاسهم مرتكزة على مجموعة من المواقف الساخرة مربوطة بخيوط ضعيفة لاستكمال الشكل الخارجي للعمل السينمائي فقط، ففي رأيهم لا يشغل المتفرجون بالهم بأساسيات البناء الدرامي طالما حقّقوا منالهم بالضحك في مجتمع مشحون بالشجون والهموم.

وفيلم “الخطة العايمة (العائمة)”، المعروض في غالبية دور السينما المصرية، ينتمي إلى تلك الثيمة من الأعمال، فصناعته ترتكن في المقام الأول على قدرة بطلي فرقة “مسرح مصر” محمد عبدالرحمن وعلي ربيع، على إثارة الضحك، والانسجام الواضح بينهما في إلقاء النكت المرتجلة النابعة من تجاربهما المسرحية السابقة.

فيلم "الخطة العايمة" المصري يقترب كثيرا من الفيلم البوليوودي "عيون"  للنجم الهندي أميتاب باتشان مع اختلافات طفيفة بينهما
فيلم "الخطة العايمة" المصري يقترب كثيرا من الفيلم البوليوودي "عيون"  للنجم الهندي أميتاب باتشان مع اختلافات طفيفة بينهما

كوميديا مستنسخة

يدور العمل حول رجل أعمال يريد الحصول على أوراق هامة تهدّد مستقبله ويحتفظ بها خصومه في خزينة أحد البنوك، فيستعين بمدير إدارة الائتمان في البنك، ويكوّن عصابة لسرقتها، وكي يضمن عدم الاطلاع عليه أو مساومته بتفاصيلها، يوكل المهمة لاثنين من فاقدي البصر، بعد تدريبهما من قبل امرأة تم إجبارها على القبول بالمهمة، بعد اختطاف ابنها.

يقترب “الخطة العايمة” كثيرا من الفيلم البوليوودي “عيون” (إنتاج 2002) للنجم الهندي أميتاب باتشان مع اختلافات طفيفة بينهما في فقدان مدير البنك ضمن النسخة الهندية، عمله بعد اعتدائه على موظف حاول اختلاس أموال، وقرّر الانتقام بسرقة محل عمله السابق، لكنهما يسيران في نفس خط الاستعانة بفاقدي البصر للقيام بعملية السرقة، والاعتماد في التدريب على امرأة، وحشر الأغاني على حساب السياق الدرامي.

يلعب العمل كثيرا في محاولاته لاستدرار الضحك على مفارقات أصحاب العاهات، ومحاولتهم العيش كبشر طبيعيين دون اعتراف بظروفهم، فيدخلون الملاهي الليلية ويقودون السيارات في الشوارع المزدحمة ويدخلون بها محطات الوقود الضيقة، وسرقتهم ممتلكات الأصحاء وممارسة “البلطجة” عليهم، وهي طريقة فكاهية قدّمت من قبل.

وقبل قرابة العقدين، قدّم الفنان عادل إمام الثيمة ذاتها عبر فيلم “أمير الظلام” بقصة كوميدية مستوحاة من الفيلم الأميركي “عطر امرأة” للنجم آل باتشينو، عن كفيف يضطر إلى دخول دار رعاية، لكنه لا يعترف بعجزه فيقود طائرة ويعمد إلى الهروب من الدار باستمرار عبر سلسلة من المتاهات الصعبة لمقابلة فتاة جميلة تعزف على البيانو.

كما قدّم هذه الثيمة الفنان الراحل محمود عبدالعزيز في فيلم “الكيت كات” مع قدر عال من الجمع بين الضحك والنقد الاجتماعي، ومفارقات تصل إلى تمكنه من الهروب عند مداهمة الشرطة لوكر يتم فيه تعاطي المخدرات، على الرغم من القبض على زملائه الأصحاء، وقيادته دراجة نارية بسرعة وسط سوق شعبية مليئة بالبشر.

"عيون"  للنجم الهندي أميتاب باتشان
"عيون"  للنجم الهندي أميتاب باتشان

ويختلف “الخطة العايمة” في غياب المنطق المبرّر للحدث، بداية من المشاهدة الأولى لمحاولة قتل لم تقع العودة إلى تفاصيلها مجددا، واستمرار الأمر مع طريقة قبول ياسمين (الفنانة غادة عادل) للاشتراك في العملية وعدم التفكير في مآلها، حال القبض على الكفيفين اللذين لم تكن لهما خبرة في سرقة الشركات، فأحدهما حمزون (الفنان علي ربيع) بلطجي، والثاني على الله (الفنان محمد عبدالرحمن) لص.

ويستمر غياب المنطق في العنصر الأساسي الذي يعتمد عليه مدير البنك، حيث استعان بشخصين كفيفين حتى لا يقرأوا المستندات الهامة ولا يعرفون شخصيته، ويوكل مهمة التدريب إلى سيدة لا يُظهر الحوار بينهما مسوغات تبرّر الاطمئنان إليها، رغم إمكانية كشفها لخططه في أي وقت في ازدواجية غريبة، وكان من السهل استبدالهما باثنين لا يجيدان القراءة والكتابة، ولهما سجل إجرامي سابق يؤهلهما لتنفيذ المهمة بسهولة.

تطغى الرغبة في إثارة الضحك على حسابات المنطق طوال العمل، فاللص يرقص أمام موظفي البنك المنبطحين أرضا خوفا منه، وهم أنفسهم لا يركّزون مع الحوار الدائر بين حمزون وعلى الله رغم صوتهما المرتفع، الذي يشي كثيرا بفقدانهما البصر والسمع وعدم السيطرة عليهما بسهولة، أما أساليب المراقبة التي اتبعتها العصابة قبل القيام بعملية السطو تبدو سطحية وتتمّ عبر مقهى عام.

أحداث "عايمة"

علي ربيع لم ينجح في تجسيد دور الضرير بسبب حركات عينيه الخاطئة، وكل ما قدّمه للتدليل على أنه كفيف هو النظر إلى الأعلى
علي ربيع لم ينجح في تجسيد دور الضرير بسبب حركات عينيه الخاطئة، وكل ما قدّمه للتدليل على أنه كفيف هو النظر إلى الأعلى

يمثل غياب البعد الإنساني للشخصيات آفة أساسية في فيلم “الخطة العايمة”، الذي كتب السيناريو الخاص به أحمد عبدالوهاب وكريم سامي، والاثنان متخصّصان في الكوميديا المسرحية المعتمدة على الارتجال.

وجاء العمل منزوع الدسم من التفاصيل الإنسانية التي توضّح حياة الكفيفين قبل السرقة، وأسباب زجهم بالشخصيات مباشرة في معترك العمل دون لمحات عن حياتهم تُساعد الجمهور على التقاط الهدف من تقديمها.

وقع المخرج معتز التوني، في سقطات ساذجة لا تراعي طبيعة عمله، بداية من شكل الشعر المستعار  للمجرمين، والزجّ بمشاهد ليس لها علاقة من قريب أو بعيد بسياق العمل كمقطع توجههما إلى الملهى الليلي، أو دخولهما لمحطة وقود، إلى جانب الاستعانة بالفنان بيومي فؤاد كضيف شرف لاستغلال اسمه على الصور الدعائية، في مشهد قصير يقطع تسلسل الأحداث، بهدف انتزاع الضحكة، بصرف النظر عن الإيقاع.

ولم يقدّم أبطال العمل أداء تمثيليا جديدا، وظهرت شخصياتهم بنفس طريقة أعمالهم السابقة، وفي أحيان كثيرة كان المشاهد يشعر بأن علي ربيع غير كفيف بسبب حركات عينيه الخاطئة، وكل ما قدمه للتدليل على أنه كفيف هو النظر إلى أعلى، حتى لو كان الحوار يتطلب أن يكون اتجاه الوجه وليس العين في وجه من يخاطبه، وتكرّر الأمر في المقاطع الخاصة بتدريب اللصين على السرقة التي جاءت شديدة الاقتضاب بكثير من السذاجة، ولا تتناسب مع مؤسسة مصرفية تمتلك أجهزة إنذار وآلات تصوير وتحميها عناصر من الأمن.

انصب تركيز السيناريو على شخصية حمزون التي تم فتح مساحات لها على حساب باقي الشخصيات، مع رسمها كبلطجي فهلوي يعتقد أنه يفهم كل شيء في الحياة، وفي المقابل تم تقديم على الله في صورة ساذجة غبية لا تتناسب مع لص يمتلك خبرة في سرقة الأفراد منذ نعومة أظافره.

مجموعة قصص مفكّكة تقدّم بصورة متدنية فنيا
مجموعة قصص مفكّكة تقدّم بصورة متدنية فنيا

تعاني الكوميديا المصرية في السنوات الأخيرة من الاستسهال، فيجمع بينها الإسفاف وتكرار الأفكار والاقتباس المفرط، ومحاولة استدرار الضحك دون إعمال العقل، كنتاج لسيادة رأس المال الطفيليّ، والجمهور الاستهلاكي الذي يقبل عليها.

واجه العمل الذي كان يحمل في البداية اسم “الخطة العامية” وتم تغييره بعد هجوم من الكاتب عمر طاهر، الذي يملك مشروعا مع الفنان محمد هنيدي بالعنوان ذاته ولا يزال متوقفا، حيث اتهم طاهر في تغريدة على موقع تويتر، صاحب القرار في الفيلم بأنه لا يحمل علاقة بالفن، وأنه مثل تاجر سيارات مسروقة يمارس الكيد.

وأصبحت الأعمال الكوميدية مجموعة قصص يتم تقديمها بصورة متدنية فنيا، وصناعها يؤمنون بأنه طالما نجحوا في إضحاك الجمهور، ودفعوا به إلى شراء بضاعتهم في دور السينما فقد حقّقوا النجاح الذي يرنون إليه.

وتثير الأغنية التي تم تقديمها في نهاية العمل العديد من التساؤلات حول مشكلة الإفراط في الاقتباس والتوزيع في أغاني الأفلام وغياب الإبداع، بعدما جاءت صورة طبق الأصل من أغنية “مليونير” في مسلسل “بـ100 وش” بطولة نيللي كريم وآسر ياسين، بنفس طريقة التقديم، وكلمات متشابهة.

تمثل فكرة “الخطة العايمة” مساحة خصبة كان يمكن لطاقم العمل استغلالها لإعادة إنتاج كوميديا مواقف جيدة لا تخلو من الدراما والعقلانية، فلا تنافر بين الإضحاك والعقل أو إحكام بناء النص الداخلي للسيناريو الذي يعطي الأعمال السينمائية عمرا أطول بكثير من متابعتها في صالات السينما، ويفتح المجال أمام موجات ضحك مستمرة مع عرضها تلفزيونيا أمام القاعدة العريضة من المشاهدين.

16