استنفار أوروبي عقب صدمة استفتاء اليونان

رد أنصار التيار المتشدد في اليونان على شروط الأوروبيين بصرامة في استفتاء مثير للجدل، ما أدى إلى استنفار كبير وغير مسبوق في أوروبا لتدارك الصدمة التي أفرزتها صناديق الاقتراع، قابله ترحيب روسي بالخطوة التي يبدو أنها ستلقي بظلالها على علاقة أثينا بجيرانها في الفضاء الأوروبي.
الثلاثاء 2015/07/07
اليونانيون يقولون "لا" لشروط أوروبا التقشفية

بروكسل - يعقد قادة دول منطقة اليورو اليوم الثلاثاء في العاصمة البلجيكية بروكسل قمة طارئة ستخصص لتدارس انعكاسات رفض اليونانيين خطة الإنقاذ في الاستفتاء الذي جرى أمس الأول، في وقت تباينت فيه تصريحات المسؤولين الأوروبيين بشأن مستقبل المفاوضات مع أثينا.

وفاز رافضو خطة الإنقاذ التي تتضمن إجراءات تقشف جديدة، في استفتاء الأحد بنسبة تجاوزت عتبة 62 بالمئة بقليل مقابل 38 بالمئة للمؤيدين، وفقا للنتائج النهائية التي نشرتها وزارة الداخلية والتي قالت إن نسبة المشاركة بلغت 62.5 بالمئة.

وبهذه النتيجة، ستكون اليونان في موضع قوة وتمارس ضغوطا على أوروبا ولاسيما المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي وقفت أمام خياراتها طيلة الفترة الماضية من أجل إذعانها.

ولاقت هذه النتائج ردودا أوروبية متباينة فور إعلان النتائج الرسمية، حيث أبدت ميركل التي قامت بضغوط على شركائها الأوروبيين في محاولة منها لدفع الحكومة اليسارية المتطرفة في اليونان على الاستقالة، والرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند حذرا في رد فعلهما الأولي حينما أكدا خلال اتصال هاتفي أنهما “متفقان على وجوب احترام تصويت المواطنين اليونانيين”.

وكان رئيس الوزراء اليوناني ألكسيس تسيبراس قال خلال كلمة متلفزة عقب إعلان النتائج الأولية للاستفتاء إن “الاستفتاء أظهر أنه لا يمكن ابتزاز الديمقراطية. لا غالب ولا مغلوب في الاستفتاء، بل الشعب اليوناني تجاوز الخوف”.

ويتناقض الانتصار القوي بصورة مدهشة لمعسكر الرافضين لخطة الإنقاذ وهم من أنصار التصويت بـ”لا” والذين احتشدوا بالآلاف في الساحات الرئيسية بالعاصمة أثينا، مع استطلاعات الرأي التي تكهنت بنتيجة متقاربة للمؤيدين والرافضين للخطة.

وتترك هذه النتيجة اليونان في مفترق طرق، حيث المخاطرة بعزلة مالية وسياسية، لكنه يظهر في الوقت نفسه مدى صلابة اليسار المتطرف والذي يبدو أنه حدد مصير هذا التيار في كامل أوروبا على المدى البعيد ولاسيما في فرنسا وأسبانيا وإيطاليا مثلا.

بيد أن هذا الانتصار “التاريخي” كما وصفه البعض ستكون له تداعيات على بقية أوروبا الذي يكافح أصلا من أجل مواجهة تصاعد شعبية القوى اليمينية واليسارية المناهضة لفكرة المشروع الأوروبي.

ومن هذا المنطلق، أكد رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر أنه سيعقد سلسلة مشاورات مع الدائنين لدراسة الموقف الراهن في ضوء نتائج الاستفتاء، بينما أعلن رئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولتز احترامه لرغبة اليونانيين، مطالبا أثينا التقدم باقتراحات جدية من أجل إعادة التفاوض.

في المقابل، اعتبر وزير الخارجية الإيطالي باولو جينتيلوني أن نتائج الاستفتاء لم تنه المشكلة. وقال “من مصلحتنا التوصل إلى نقطة وساطة مع اليونان ويجب أن نعطي الأولوية للسياسة على القواعد فالهدف السياسي إيجاد نقطة التقاء ومن الصعب أن نتصور المشروع الأوروبي من دون اليونان”.

وتظهر تحركات وإشارات سياسية عديدة صادرة عن أكثر من تنظيم يساري راديكالي في أوروبا أن هناك موجة عارمة من التأييد والمساندة للطريق الذي اختارته الحكومة اليونانية التي يقودها حزب سيريزا المتشدد والمناهض للتقشف في بناء قوة سياسية ذات جاذبية اجتماعية واقتصادية، والإستراتيجية التي ينوي اتباعها لوضع حد لخمس سنوات من الإذلال.

وتلقي هذه النتيجة غير المتوقعة بظلالها على تعامل اليونان “الجديدة” مع المتغيرات المتسارعة في أوروبا وقد وضعت الدائنين أمام خيارات صعبة وحرجة خصوصا أن روسيا دخلت على خط المواجهة في مسعى منها إلى استمالة اليونانيين نحوها.

وتبدي موسكو احتراما لما آل إليه الاستفتاء حيث قال السكرتير الصحفي للرئيس الروسي ديميتري بيسكوف “بالطبع إننا نحترم التصويت الذي تم الإعلان عنه خلال الاستفتاء وبلا شك نراقب بعناية ما حصل، والأهم ما الذي سيحصل الآن في اليونان”.

لكن نائب وزير الاقتصاد الروسي ألكسي ليخاتشيف اعتبر أن تقدم معسكر “لا” يعني أن أثينا “قامت بخطوة على طريق الخروج من منطقة اليورو”، لافتا إلى أن القول إن اليونان “ستمضي حتى النهاية” لا يزال سابقا لأوانه.

ويعلم تسيبراس أن الظروف صعبة وأنه غير قادر على إيجاد الحل السحري لأزمة البلاد المستفحلة إذ لا يستبعد المراقبون أن يعيد حساباته مجددا والجلوس مرة أخرى على طاولة التفاوض لحل الأزمة التي تعيشها بلاده. لذا، ستكون التنازلات مشتركة من الطرفينا.

وبصرف النظر عن التراجع عن الالتزامات الرئيسية وأيّا كانت “أوراق” التفاوض التي تعتقد أثينا أنها قد تكون بحوزتها، فإن محاولتها إنشاء جبهة مع الحكومات البرجوازية لعزل ألمانيا يبدو أنها ستفشل.

ويقول محللون إنه ليس هناك من “صديق” لليونان في معسكر البرجوازية الأوروبية أو الدولية يريد الدخول في صدام مع الرأسمالية الألمانية أو يريد أن يدعم حكومة يسارية في اليونان يمكن أن يجعل منها مثالا من شأنه أن يهدد هيمنة الرأسمالية العالمية.

والجدير بالإشارة إلى أن اليونان انضمت إلى الاتحاد الأوروبي في عام 1981، لتصبح الدولة العاشرة في التكتل.

إقرأ أيضاً:

بعد فوز الـ'لا' لمن الغلبة: ديمقراطية أثينا أم ديمقراطية بروكسل

5