استنفار إسرائيلي في حرب غير تقليدية

انتقلت إسرائيل من حرب مصغرة ومحدودة ضد مواقع حزب الله في سوريا، لتخوض حربا مع أربع دول هي سوريا والعراق ولبنان وإيران. ولا تبدو دولة الاحتلال عابئة باحتمالات توسع المواجهة مع أعدائها إلى حرب شاملة.
السبت 2019/08/31
إسرائيل لا تكترث لتهديدات حزب الله

خلال السنوات الماضية، شنّت إسرائيل عددا كبيرا من الضربات الجوية على ما تقول إنه مواقع لحزب الله اللبناني في سوريا وشحنات للأسلحة والصواريخ تحاول إيران نقلها إلى حليفها في لبنان.

تصاعدت الهجمات وتطوّرت من ضربات متباعدة تحدث كل عدة أشهر، إلى ضربات متواصلة لا يكاد يمر أسبوع واحد دون حدوثها. بل وسّعتْ إسرائيل مؤخرا نطاق الضربات لتشمل العراق ولبنان. في يوم واحد فقط خلال الأسبوع الماضي، ضربت مواقع للحشد الشعبي في العراق ومواقع لحزب الله في سوريا، متسببة بقتل عنصرين كانا قد تلقيا تدريبات في إيران حول تكنولوجيا الطائرات المسيّرة. كما استهدفت طائرات إسرائيلية مسيّرة مواقع لحزب الله في الضاحية الجنوبية في قلب العاصمة بيروت، لتنهي قواعد الاشتباك غير المعلنة والتي جرى إقرارها بعد حرب تموز من العام 2006 مع حزب الله.

لم تكترث إسرائيل لتهديدات الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، بالرد العسكري على الهجوم الإسرائيلي واستهداف موقع للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامة على الحدود اللبنانية السورية.

الجديد أيضا أن الخطاب الإسرائيلي الرسمي تطور من التركيز على استهداف حزب الله، نحو الإعلان عن استهداف قوات فيلق القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني. باختصار، انتقلت إسرائيل من حرب مصغّرة ومحدودة ضد مواقع حزب الله في سوريا، لتخوض حربا مع أربع دول هي سوريا والعراق ولبنان وإيران. ولا تبدو دولة الاحتلال عابئة على الإطلاق باحتمالات توسع المواجهة مع أعدائها إلى حرب شاملة.

قد ينظر البعض للهجمات الإسرائيلية وتصاعد وتيرتها وحدتها باعتباره نجاحا وتأكيدا على التفوق العسكري الإسرائيلي، وعلى الضعف البنيوي الذي تعاني منه الدول المستهدفة التي عجزت عن الرد، ولو لمرة واحدة، على المئات من الهجمات. بالطبع، تبدو الهجمات جزءا من استراتيجية إسرائيلية وعقيدة دفاعية قديمة تعمل على تدمير قدرات الخصم قبل أن تتطور إلى مرحلة تهدد أمن الكيان الإسرائيلي.

في شهر يونيو من العام 1981، دمّر سلاح الجو الإسرائيلي مفاعل “تموز” النووي العراقي. وفي العام 2007، دمرت غارة جوية إسرائيلية منشأة نووية في مدينة دير الزور، شرق سوريا، كان النظام السوري يعمل على تطويرها بصورة سرّية. هكذا، يمكن للبعض وضع الهجمات الأخيرة على سوريا والعراق ولبنان في هذا السياق، بما يشير إلى استمرار التفوق الإسرائيلي.

ولكن الهجمات الحديثة، وبخلاف نظيرتها في العقود الماضية، لا تؤشر إلى قوة إسرائيل وقدرتها على البقاء متقدمة عدة خطوات عن أعدائها، بل إلى توتر إسرائيلي وشعور بفقدان السيطرة. رغم ما يبدو من دقة واستباقية في الهجمات وما تكشف عنه من قوة لجهاز الاستخبارات الإسرائيلي، تشير كثافتها وامتدادها الجغرافي إلى حجم التطورات العسكرية المعادية لإسرائيل وصعوبة تتبعها.

ففي حين واجهت إسرائيل في السابق عدوا ثابتا هو جزء من دولة، تواجه اليوم ميليشيات مرنة وذات قدرة كبيرة على التخفي. كما ساعدت التطورات المحلية في سوريا ولبنان والعراق خلال السنوات الماضية على تكريس النفوذ الإيراني في تلك البلدان، ما سمح بإنشاء العشرات من الميليشيات التي يديرها الحرس الثوري الإيراني، والتي تواجه إسرائيل مشكلة حقيقية في مراقبة تحركاتها وأساليب عملها.

لقد اختبرت إسرائيل هذا النوع من الحرب في العام 2006 مع حزب الله اللبناني الذي استخدم مواقع صاروخية متحركة يجري إخفاؤها بعناية في ظل تضاريس جغرافية تساعد على ذلك.

واجهت إسرائيل صعوبة بالغة في إيجاد تلك المواقع واستهدافها وخرجت من الحرب دون أن تحقق أهدافها كاملة كما اعتادت في حروبها السابقة. تعرف تل أبيب اليوم أن المنطقة باتت مرتعا للعشرات من المجموعات الشبيهة بحزب الله والتي تنتشر في سوريا وإيران، وربما أيضا في اليمن، وتكاد تكون مراقبة عملها واكتشاف منصات إطلاق الصواريخ المتحركة التي تنشئها مهمة شبه مستحيلة.

ربما يفسّر ذلك أيضا عدم الرد من جانب إيران وحلفائها رغم تكثيف وتيرة الهجمات بصورة محرجة للغاية. إذ تشعر إيران بأنها تحقق نجاحا على الأرض في عدد من الدول رغم الهجمات الإسرائيلية، وهو ما يدفعها إلى تجنب تصعيد التوتر مع عدو يتفوق عليها بصورة كبيرة في القدرات العسكرية التقليدية.

سوف يؤثر ذلك على وعد الأمين العام لحزب الله اللبناني، حسن نصرالله، بالانتقام لقتل عنصرين من الحزب في سوريا واستهداف مقرات الحزب في الضاحية الجنوبية. إذ بقدر ما يرغب حسن نصرالله في تنفيذ وعده ذاك وإعادة التأكيد على خطوط وقواعد الاشتباك القديمة، إلا أنه لا يرغب في الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة وواسعة مع إسرائيل، تكون قبل أوانها في ظل نجاحه ونجاح حلفائه في بناء شبكات عسكرية غير تقليدية يمكن توظيفها في الوقت المناسب.

8