استنفار في أوروبا لتطويق ظاهرة الجهاديين

السبت 2014/07/19
أبو مثنى اليمني شاب بريطاني من أصول يمنية اختار الذهاب للقتال مع تنظيم داعش في سوريا

لندن – النزاع الذي تشهده سوريا منذ ثلاث سنوات ونيف لم تنعكس أخطاره على منطقة الشرق الأوسط فحسب، بل تجاوزتها لتطال أوروبا التي أضحت خائفة من الإرهاب الذي يكمن أن يتسلل إلى الداخل مع عودة المقاتلين الأجانب في سوريا إلى بلدانهم رغم الإجراءات الوقائية الحازمة التي اتخذتها هذه البلدان، حسب دراسة صادرة عن معهد الشرق الأوسط.

تم تشبيه المواطنين الغربيين الذين التحقوا بصفوف المجموعات الراديكالية المقاتلة في سوريا بالقنابل الموقوتة، وفعلا في شهر مايو الماضي انفجرت إحدى هذه القنابل في بروكسال. حيث عرضت الشرطة البلجيكية صورا مؤثرة التقطتها كاميرات المراقبة للهجمة التي قام بها مسلح منعزل على متحف يهودي في بلجيكيا في حي سابلون المعروف بمحلاته المعدّة لبيع التحف القديمة وباعة الشكولاطة. شوهد الرجل المسلح الذي كان يحمل نظارة شمسية وقبعة “بايسبول” وهو يمشي في اتجاه المتحف قبل أن يخرج بندقية نصف آلية من حقيبة كانت بحوزته ويطلق النار بشكل مكثف نحو مدخل المتحف، ممّا أسفر عن وفاة أربعة أشخاص.


السجون الأوروبية حاضنة للتشدد


جاءت هذه الحادثة لتدعم التحذيرات المتزايدة التي طالما نبّهت إلى أنّ عودة هؤلاء المقاتلين – وأغلبهم من بين المسلمين الأوروبيين– إلى أرض الوطن سيُفجّر المزيد من هذه القنابل ممّا يفتح فصلا جديدا في الحرب طويلة الأمد القائمة بين الجهاديين المتأثرين بفكر تنظيم القاعدة والغرب. وتكافح الحكومات الأوروبية الآن لمعالجة هذا المشكل على الرغم من وجود استراتيجيات سابقة مثل تبادل المعلومات الاستخباراتية ومراقبة الجاليات المسلمة المحلية.

بعد ستة أيام من تنفيذ الهجمة، وعلى بعد أكثر من 500 ميل جنوب العاصمة البلجيكية، عثر أعوان الجمارك الفرنسيّين عند تفتيشهم عن كميّات من المخدرات في محطة الحافلات الرئيسية في مدينة مرسيليا، بالصدفة، على مواطن فرنسي جزائري اسمه مهدي النموشي يحمل في حقائبه رشاشا من نوع كلاشينكوف ومسدسا.

لو كان الشاب مهدي النموشي البالغ من العمر تسعة وعشرين سنة – الذي أصبح أصوليا في الأراضي الفرنسية لما كان في السجن من أجل جنحة– هو المنفذ لجريمة بروكسل،فسيكون أول متطوع غربي حارب مع المتمردين الإسلاميين في سوريا قبل أن ينفذ هجمة ناجحة في أوروبا. وترجو الحكومات ووكالات الاستخبارات الغربية عكس ذلك، لكن قلة هم المتفائلون. فحتى قبل حادثة رمي الرصاص التي جدّت في متحف بروكسل، كانت المخاوف تتصاعد بخصوص نوعية ردّة الفعل العكسية التي ستشهدها البلدان الغربية، فضلا عن أجوار سوريا في الشرق الأوسط، عندما يعود ما يقرب عن 120 ألف مقاتل (على الأقل عشرة بالمئة منهم من بلدان غربية) من الحرب الأهلية السورية.

عدد المسلمين الأوروبيين الذين يحاربون في سوريا يصل إلى 1900 شخص


القاعدة واستغلال الفرص السانحة


عميل مكتب التحقيقات الفدرالية (أف.بي.آي) مارتن ريردون، كان يشغل منصب رئيس مركز عمليات فحص الإرهابيين التابع للمكتب، ليست لديه أية شكوك في أن الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية ستتحمل التبعات، إذ يقول: “يجب ألا نستهين بالخطر”. ويلاحظ أن أغلب الشباب من المسلمين الغربيين المتجهين إلى سوريا لم ينضموا إلى المليشيات المتمردة المعتدلة التي يوجد فيها محاربون سوريون فحسب، تقريبا، بل اختاروا المجموعات الإسلامية الراديكالية التي يسيطر عليها المقاتلون الأجانب مثل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش).

في ذات السياق، يوضّح ريردون أنّ القاعدة دائما تبحث عن ثغرات تستطيع استغلالها من أجل الالتفاف حول الدفاعات الغربية وتنفيذ هجمات في أميركا وأوروبا. ويعلّق بالقول: “أعطتهم الحرب السورية فرصة، ونحن نعرف أن زعماء كبار من تنظيم القاعدة موجودون في سوريا. هذه فرصة أمامهم للتعرف على المقاتلين الأجانب الذين يمكنهم استخدامهم عند عودتهم إلى بلدانهم”.

لا يعرف المحللون في أجهزة الاستخبارات والمسؤولون الحكوميون عدد المقاتلين في سوريا، الذين يمكن أن يمارسوا العنف في الشوارع الأوروبية، لكن يشير البعض إلى دراسة قام بها توماس هاغهامر، مدير البحوث حول الإرهاب في المؤسسة النرويجية للبحوث الدفاعية، حيث استنتجت أنه بين 1990 و2010 تحول واحد من بين كل تسعة مقاتلين أجانب، من البلدان الغربية،إلى إرهابي محلي في فترة لاحقة.

هذه الدراسة نشرت بالطبع قبل الحرب الأهلية السورية، مما يدفع بعض المسؤولين في أجهزة الاستخبارات الغربية إلى التساؤل عن مدى تشابه المقاتلين الأجانب الذين انضموا إلى جبهة النصرة أو داعش في سوريا بنظرائهم الذين حاربوا في أفغانستان أوالبلقان أو الشيشان. فهل ستنطبق نسبة واحد من تسعة على المتطوعين من بين الجهاديين الأجانب في سوريا؟ أم هل ستتحول نسبة أكبر من ذلك إلىإرهابيين محليين؟

يلاحظ ريردون أنّ واحد من تسعة هي كذلك نسبة مثيرة للقلق، ويقول إنّه حتى في صورة تحوّل عدد قليل منهم من مقاتل أجنبي إلى إرهابي سيطرح ذلك مشكلا كبيرا.

في مايو الماضي ارتفع القلق بخصوص ردة الفعل العكسية عندما أصبح منير محمد أبو صالحة، الذي ولد في ولاية فلوريدا، أول مقاتل أجنبي أميركي في سوريا يتولى مهمة هجوم انتحاري ضد جنود نظاميين سوريين. لقد فجر هذا الشاب البالغ 22 سنة من عمره شاحنة مفخخة أمام مطعم في مدينة إدلب الواقعة تحت سيطرة النظام في شمال غرب البلاد. بالنسبة إلى المسؤولين الأميركيين كان أحد الجوانب الأكثر خطورة للحادث هو كون وكالات الاستخبارات الأميركية لم تكن على علم بعلاقات أبو صالحة بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام الذي انضم إليه، على الرغم من أنها كانت على علم بذهابه إلى سوريا.

الدول الأوروبية المصدرة للجهاديين:
◄ فرنسا: بين 200 و700 جهادي

◄ بريطانيا: بين 200 و300 جهادي

◄ ألمانيا: حوالي 200 جهادي

◄ بلجيكا: بين 100 و300 جهادي

◄ هولاندا: حوالي 100 جهادي


أعداد مفزعة للمقاتلين الأوروبيين


تبقى مهمة معرفة هويات المواطنين الذين ذهبوا إلى سوريا للجهاد أكثر صعوبة بالنسبة إلى البلدان الأوروبية الأصغر، بما أنها لا تملك نفس الموارد الاستخباراتية ولديها امتداد أقل مقارنة بالولايات المتحدة. لقد بلغ عدد المقاتلين المسلمين الأجانب في سوريا، القادمين من البلدان الأوروبية حدّا غير مسبوق، إذ شد الرحال إلى هذا البلد عدد أكبر بكثير من العدد الذي ذهب إلى أفغانستان. وفي حين لا يدعي أي بلد امتلاكه لأرقام نهائية، فإنّ فرنسا، التي تضم أكبر جالية مسلمة في أوروبا والتي يبلغ عددها خمسة ملايين نسمة، توجد في المقدمة، حيث يعتقد أن بين 200 و700 شاب فرنسي مسلم شاركوا في الحرب السورية. وتأتي بريطانيا في المرتبة الثانية بعدد من المقاتلين يتراوح بين 200 و300، ومن جهتها تقدر المخابرات الألمانية بأن 200 مسلم ألماني كانوا في الصفوف الأمامية في الحرب السورية. أما السلطات البلجيكية فتقدر عدد مواطنيها المشاركين في الحرب بين 100 و300 مقاتل، مقابل 100 من المقاتلين الهولنديين، حسب تقديرات المخابرات الهولندية. لكن يمكن أن تكون الأرقام الجملية أو الفردية لكل بلد أعلى بكثير من هذه التقديرات.

وبالفعل، تفيد الدراسات التي أجراها المركز العالمي لدراسة التطرف في جامعة لندن أن العدد الإجمالي للمسلمين الأوروبيين الذين حاربوا في سوريا أو مازالوا هناك قد يتجاوز الـ1200 شخص وربما يقرب من 1900. ويقدر تقرير ظهر في مايو الماضي عن مجموعة سوفان، وهي مكتب استشارة، أن ثلاثة آلاف محارب تنقلوا إلى سوريا من بلدان غربية للمحاربة مع مجموعات متمردة تحت سيطرة المتطرفين الإسلاميين.

أغلب المسلمين الغربيين المتجهين إلى سوريا لم ينضموا إلى الميليشيات المتمردة المعتدلة، بل اختاروا المجموعات الإسلامية الراديكالية


الإجراءات الوقائية شر لابد منه


للغرض، عُقدت سلسلة من الاجتماعات على المستوى الوزاري، وعلى مستوى مسؤولي المخابرات الكبار في مختلف أنحاء أوروبا من أجل التنسيق في مجال استراتيجيات مكافحة الإرهاب. وكان التركيز منصبا على تبادل المعلومات الاستخباراتية، مع خوض المناقشات في مسألة ماذا نفعل مع العائدين، فهل يجب إيقافهم وتتبعهم قضائيا من أجل المشاركة في حرب أجنبية؟ وهل أن القوانين اللازمة لإتمام هذا الاجراء متوفرة في الدفاتر؟ أم أنّهمن الأفضل مراقبة العائدين بدل التعرض مرّة أخرى إلى المزيد من مخاطر تعلّم التطرف في السجن؟ هذا بالإضافة سؤال آخر مفاده؛ هل يجب أن تتم مطالبة جميع العائدين بالمرور ببرامج تخلصهم من التطرف؟

في ذات السياق، انعقد أول اجتماع يضم ممثلين عن تسعة بلدان أوروبية هي كلّ من بلجيكيا والدنمارك وفرنسا وألمانيا وإيرلندا وهولانداوأسبانيا والسويد والمملكة المتحدة، بعد أيام قليلة من الهجوم الذي تعرّض له متحف بروكسل في مايو الماضي. وقد ضاعفت حكومات هذه البلدان مجهوداتها الاستخباراتية من خلال العمل مع الجاليات المسلمة وزعماء المساجد لثني الشباب عن التوجه إلى سوريا، وعبر البحث في مواقع الإعلام الاجتماعي لتحديد هوية أولئك الذين غادروا للجهاد.

وفي يناير الماضي، ناشد الضابط ريشارد والتن، رئيس فرقة مكافحة الإرهاب التابعة لشرطة مدينة لندن، المسلمين في كافة أنحاء المملكة المتحدة المساعدة على إيقاف تدفق الشباب البريطاني إلى سوريا. ويقر هذا المسؤول أن السلطات البريطانية في حاجة ماسة إلى الحصول على المزيد من المساعدة. بيد أن المنتقدين يقولون إنه توجد مخاطر استهداف الجاليات المسلمة المحلية وإجبارهم على التعاون.

مارتنريردون: "زعماء القاعدة موجودون في سوريا للتعرف على المقاتلين الأجانب"

وهذا المجهود يمكن أن يتحول إلى تمييز شبيه بظاهرة الماكارثية (استهداف الشيوعيين في ثلاثينات القرن الماضي في الولايات المتحدة) مما من شأنه أن يزيد في عزلة الشباب المسلم الناقم ويوفر فرص تعبئة للجهاديين.

من جهتها فقد عمدت الشرطة البريطانية إلى استعمال “الخطة السابعة” من قانون الإرهاب بقوة، وهي نص تشريعي يمكّنهم من اعتقال أي شخص حتى دون سبب معقول للاشتباه به. ففي سنتي 2012 و2013 تم اعتقال 61.145 شخصا بموجب ‘الخطة السابعة’ وتم استنطاقهم دون تمثيل قانوني لمدة تسع ساعات كان مسموحا بها. وقد أفرزت هذه الاعتقالات والاستجوابات توقيف 24 شخصا مرتبطين بالإرهاب، لكن الثمن كان غاليا فيما يتعلق بتغذية الشعور بالاستياء لدى الجالية المسلمة.

في ذات الإطار، يرى عاصم القريشي، مدير الأبحاث في جمعية ‘كايدجبريزنرس′ أن المشكل بالنسبة إلى الكثير من المسلمين لا يتعلق بالإيقاف بقدر ما يتعلق بنوعية الأسئلة المصاحبة له. ففي تصريحه لإحدى وسائل الإعلام يقول القرشي: “مثلا يسألون؛ أي نوع من المسلمين أنت؟ ما هي آراؤك في السياسة الخارجية؟ ما هي آراؤك حول فلسطين؟ ولا يوجد سؤال واحد من هذه الأسئلة في علاقة بمدى تمثيل ذلك الشخص خطرا حقيقيا لأمن المملكة المتحدة”. وتواجه ‘الخطة السابعة’ الآن اعتراضا قانونيا في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. كما يقر المسؤولون في الحكومة البريطانية بوجود تجاوز في ملاحقة الأشخاص، لكنهم يقولون أنّ خطر الإرهاب كبير إلى درجة أنه ليس هناك بد من التسبب في بعض الأضرار.

أمام هذا الخطر المتربص، يشتدّ تنافس فرنسا حاليا مع المملكة المتحدة في بذل جهود، تتزايد عدوانيّتها يوما بعد يوم، لمنع المجندين المحتملين من المغادرة واحتجاز من يذهب منهم عند العودة. ففي أبريل الماضي كشف وزير الداخلية الفرنسي، برنار كازنوف، عن عشرين إجراء تتراوح أحكامها بين نزع الجنسية الفرنسية ومنع القصّر من مغادرة الأراضي الفرنسية دون موافقة من الأهل.

ورغم التهديدات التي يمثلها الجهاديون العائدون من سوريا فإن المهمة الصعبة التي يجب على الحكومات الغربية إنجازها، هي إيجاد توازن بين اتخاذ إجراءات وقائية والحرص على عدم تنفير الجاليات المسلمة التي تنتظر هي الأخرى مساعدتها من أجل مكافحة الإرهاب.

7