استهداف المسيحيين في مصر.. قتل هويَّة وطن

السبت 2017/10/21

قلتها ألف مرَّة، وها أنا ذا أكررها من جديد. هناك فرق كبير، بين محاربة الإرهاب، وبين مواجهته. المحاربة تعني مجرد مواجهة ميدانية، قتالية، بينما الثانية تعني مواجهة شاملة تضم الأولى، ومعها التحصين المجتمعي من التطرف وتجفيف قواعده ونظرياته، ومن ثمَّ التصحيح الفكري والتوعية المستقبلية.

وتجنبا للخلط في المفاهيم، من المهم لنا أن نضع حوادث استهداف الأشقاء المسيحيين كأعمال إرهابية في إطارها الصحيح، الذي ربما قد يكون موجعا لنا، ولكن هذه هي الحقيقة المؤلمة، التي يدفن كثيرون منا رؤوسهم في الرمال تجنبا لسماعها أو الاعتراف بها.

ولأنه قد ساءني كثيرا، من اعتبر قاتل القس سمعان شحاتة مؤخرا بأنه “مجنون” أو “مختل عقليا”، وهو التوصيف الذي نستسهله ببساطة عند وقوع أي جريمة تخص شركاء الوطن، لذا أتفق تماما مع أحد الآباء القساوسة الذي طالب من يقول هذا بأن يرتدي زي الكهنة ويمشي في الشارع، ثم ينقل لنا ما يتعرض له من توتر ومخاوف.

من خلال خبرتي الطويلة في التعامل مع تيارات الفكر المتأسلم، أعتقد أن الرجل محقٌّ تماما، لأن شارعنا المصري تعايش طويلا مع العديد من الأفكار المسمومة، والتي تم غرسها عمدا منذ عقود في نفوس وعقول تربت على احتكار صكوك الغفران، وها هي ثمرتها المخجلة تتساقط على رؤوسنا.

الحقيقة أيها السادة، أن مقتل القس سمعان، كما غيره الذين قتلوا في مدن مصرية متعددة، لم يكن إلا لأنه “مسيحي”، مثلما ذُبح صاحب محمصة في الإسكندرية قبل أشهر في قلب الشارع، وكما تم حرق ونهب محلات لتجار مجوهرات مسيحيين بالذات، واستهدافهم في العريش وبعض محافظات الصعيد لتهجيرهم أو تفريغهم، لنكون بالتالي أمام حالة قتل على الهوية الدينية مع سبق الإصرار والترصد، إذا أضفنا إليه طبعا جرائم حرق الكنائس والاعتداء عليها في أكثر من مكان.

ولهذا لست مع من يقول إن استهداف المسيحيين، جزء من استهداف عناصر الجيش والشرطة، أو استهداف بعض المشايخ مثلا. لأن استهداف الجيش والشرطة يأتي نتيجة حالة عداء إخوانية وتكفيرية مع مؤسسات الدولة التاريخية وتحديدا بعد ثورة 30 يونيو 2013 التي أسقطتهم من الحكم، واستهداف البعض لمشايخ جراء بعض التناقضات الفكرية، أما استهداف الأشقاء المسيحيين، فهو نتيجة أيديولوجية تقسيمية شديدة التطرف، ساعد عليها نشوء طبقة دعاة “بيزنس” تبذر أفكارها وخطبها علنا دون حسيب أو رقيب، وللأسف تجد مناخا وقبولا وسط فئات بعينها.

إذا كنا نتحدث عن الوحدة الوطنية، فلا بد أن نسمي الأشياء بمسمياتها، ونقرُّ ونعترف بوجود خلل تربوي وفكري في منظومتنا كلها، ينبغي معالجته نعم، ولكن لا نتعامل معه بالقطعة، أو بطريقة المجالس العرفية أو “بيت العيلة” كما كان يتم بعد معالجة أي توتر طائفي، لأن التعامل بهذه الطريقة يلغي دور الدولة وكل مؤسساتها في فرض القانون وهيبتها وسلطتها الحازمة قبل كل شيء.

الشقيق المسيحي يسيل دمه مع شقيقه المسلم في محاربة الإرهاب، إذن نحن أمام دم مصري واحد في بوتقة وطنية واحدة، لا ينبغي تعليق أي جريمة يقوم بها متطرف وتكفيري بالأساس على نحو جنائي، وإذا كنا نعتبر استهداف جنود جيش أو شرطة محاولة قتل على الهوية، إلا أنه هوية مؤسسات، لكن استهداف شقيق مسيحي فهو قتل على هوية وطن بأكمله اسمه مصر. وهنا يكون العقاب الأشد.

ألم أقل لكم في البداية.. إن هناك فرقا بين محاربة الإرهاب.. ومواجهة هذا الإرهاب.

كاتب مصري

9