استهداف اليهود الفرنسيين يثير جدلا حول لباسهم الديني

الثلاثاء 2016/01/19
القلنسوة رمز الهوية تتحول إلى كابوس

باريس - لم تتمكن فرنسا، الجمهورية الأوروبية التي تنتهج علمانية عريقة، من صد تداعيات الأزمات الدولية التي تحصل في الشرق الأوسط على تركيبتها الاجتماعية الهشة والمتنوعة في آن، إذ لم تمر السنوات القليلة على اندلاع أزمات أمنية وعسكرية في الشرق الأوسط، حتى أصبح التململ سمة بارزة داخل فرنسا، ويعد المسلمون في هذا الإطار أبطال الصف الأول بامتياز في هذه المعضلة الاجتماعية.

ولم تستفق فرنسا بداية سنة 2015 من صدمة هجمات صحيفة شارلي إيبدو الدامية، حتى استهدف جهاديون محلا يهوديا احتجزوا فيه رهائن، وكان الجهادي الإسلامي أمادي كوليبالي (مهاجر من أصول أفريقية) من قام بالاحتجاز قبل أن يقتل من قبل القوات الخاصة الفرنسية، وكان قد اتصل بإحدى القنوات الخاصة ليبلغ عبرها الرأي العام بأنه تابع لتنظيم ما يسمى الدولة الإسلامية وأن ما يقوم به ضد اليهود يعد "جهادا".

من ناحية أخرى، فإن الهجمات التي طالت اليهود في فرنسا كانت عديدة، ولعل آخرها الهجوم الذي استهدف مدرسا في المدرسة اليهودية يدعى بنجامين أمسيليم، وقد تسبب له الاعتداء بآلة حادة في جروح بليغة على مستوى الكتف والظهر، الأمر الذي أثار ضجة كبيرة في صفوف الجالية اليهودية في فرنسا، وأيضا استدعى تدخل مسؤولين كبار في الدولة على غرار رئيس الجمهورية ووزير الداخلية ووزيرة التربية.

وتعد الجماعة اليهودية في فرنسا هي المجموعة الأكثر أهمية وحيوية عدديا والرابعة بعد الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق وإسرائيل وتحتل المركز الثالث بين الجماعات اليهودية الكبيرة. ويشكل اليهود في فرنسا نسبة 1 بالمئة من إجمالي تعداد سكان فرنسا، ويتواجد أكثر من نصفهم أي 350 ألف يهودي في منطقة العاصمة باريس ويتوزع الباقون على المدن الفرنسية الأخرى، خاصة في مدن الجنوب وعلى رأسها مرسيليا.

ويمتاز يهود فرنسا عن عربها ومسلميها بأنهم الأكثر تنظيما وتجاوبا مع التنظيمات المتعددة التي ترتبط بعضها مع البعض الآخر. والتنظيمات اليهودية موجودة على جميع الأصعدة، الثقافية والسياسية والاقتصادية والدينية والقانونية والطلابية، وحيثما يوجد تجمع يهودي فهناك تنظيم أو اتحاد يربط اليهود بعضهم ببعض.

أنا أستغرب من تصريح زيفي عمار، فهو انهزام أمام الإرهابيين وأنا شخصيا لا يمكن أن أعطي مثل هذه النصيحة وأنا أدافع عن قوة حضور الدولة

وقد انتبهت العديد من مكاتب الدراسات الاجتماعية في فرنسا إلى أن مشاكل اليهود في التعايش مع الأقليات الأخرى ليست مع المسلمين فقط، بل إن الإشكال الرئيسي منذ البداية كان ولا يزال مع اليمين الفرنسي المتطرف والذي تتزعمه الآن مارين لوبان إبنة مؤسس حزب الجبهة الوطنية اليميني جون ماري لوبان، وقد أكد مركز الدراسات الاجتماعية الفرنسية التابع لفرع السوسيولوجيا لكلية السوربون بباريس، أن شعور الفرنسيين اليمينيين بالكره تجاه اليهود لا يزال موجودا إلى حد الآن، ولكن الصورة التي أضحت لدى الفرنسيين عن المسلمين نتيجة قيام الخلايا المتطرفة بهجومات إرهابية هي التي وضعت المسلمين في صدارة معاداة اليهود في فرنسا.

“اليهود الفرنسيون تحت الضغط “، كان هذا عنوانا رئيسا في التقرير الإجرائي الثالث أو التقويم السنوي الصادر عام 2006 عن “معهد التخطيط لسياسة اليهود في فرنسا”، حيث أفاد التقرير بأن “اليهود الفرنسيين قلقون جدا على المسار المستقبلي الذي ستسلكه فرنسا سياسيا واجتماعيا. وفي وجه معدل الهجرة العالي والصعوبات التي تتكابدها على طريق التكامل مع الاتحاد الأوروبي، تجد فرنسا نفسها اليوم عند تقاطع طرق على صعيد التغيير المجتمعي، مع ما ينطوي عليه ذلك من مضامين بالنسبة إلى اليهود الفرنسيين.

وللمرة الأولى في تاريخ فرنسا، قامت موجة من التظاهرات الاحتجاجية وأعمال الشغب نتيجة “للوعكة الاجتماعية” التي بدت علاماتها قوية وسط احتجاجات اليهود العارمة. وقد أكد فيها اليهود أن السنوات القادمة سوف تستهدفهم بأعمال عنف وإرهاب.

وبعد الهجوم الأخير الذي استهدف الأستاذ اليهودي في مدينة مرسيليا، أصبحت مسألة ظهور اليهود في الأماكن العامة إشكالية أثير حولها جدل كبير، خاصة بعد تصريح زعيم الطائفة اليهودية في مرسيليا زيفي عمار بضرورة نزع القلنسوة من على الرأس بالنسبة إلى اليهود، مما أثار حفيظة زعماء يهود وشخصيات حكومية فرنسية.

فقد برر زيفي عمار دعوته إلى إخفاء الهوية الدينية لليهود بأن ذلك سوف ينقذهم من استهداف المعادين لليهود والسامية في فرنسا، وينقذ أرواح العديد من اليهود الذين يعيشون جنبا إلى جنب مع المسلمين وأديان أخرى.

وفي الوجه المقابل، قالت وزيرة التربية الفرنسية ذات الأصول المغربية إن هذه الدعوة سوف تصور الإرهابيين على أنهم انتصروا على قيم فرنسا في الحرية الدينية وقوة الدولة وقدرتها على حماية مواطنيها وحماية حرياتهم.

زيفي عمار: زعيم الطائفة اليهودية بمدينة مرسيليا وباقي مدن الجنوب الفرنسي، ولد سنة 1968 وهو يهودي فرنسي مغربي الأصل، وقد عرف بمواقفه التي تميل لعدم إثارة الضجة حول اليهود.

على اليهود نزع القلنسوة كي لا يستهدفهم معادو السامية

أثارت دعوة اليهود إلى عدم ارتداء القلنسوة في أعقاب الهجوم على مدرس يهودي كان يرتدي قلنسوة في مرسيليا، جدلا بين رغبة اليهود في الاحتفاظ برموز هويتهم والمخاطر الأمنية التي يمكن أن يتعرضوا لها. وقد احتدم هذا الخلاف إلى درجة وصوله إلى مسؤولين حكوميين ونواب في البرلمان الفرنسي.

وهاجم فتى خلال الأيام الماضية المدرس اليهودي بنجامين أمسيليم (35 عاما) بآلة حادة في وضح النهار وسط مدينة مرسيليا، ما أسفر عن إصابته بجروح في الكتف واليد، ويضاف هذا الحادث إلى سلسلة الحوادث المعادية لليهود التي وقعت خلال الأشهر الماضية.

وعقب هذا الحادث بدأ الأهالي يطلبون من أبنائهم عدم ارتداء القلنسوة والاستعاضة عنها بقبعة بيسبول. وكان تبرير السكان اليهود لهذا القرار هو عدم اكتشاف هويتهم الدينية من خلال لباسهم المميز.

ودعا زعيم الطائفة اليهودية في مرسيليا زيفي عمار الرجال والصبيان اليهود إلى عدم ارتداء القلنسوة “حتى تأتي أيام أفضل” حسب تعبيره، وقال “لسوء حظنا فنحن مستهدفون، وفور التعرف علينا كيهود يمكن أن نتعرض لهجوم وربما لخطر الموت”.

وقد أكدت العديد من الآراء من يهود متدينين أن رأي زعيم الطائفة زيفي عمار يعد قرارا “حكيما” لتجنب خسائر في الأرواح أو جروح أو أي إزعاج يمكن أن يحدث لليهودي عند سيره في الشارع.

ومن المعروف عن الطائفة اليهودية في فرنسا أنها ملتزمة بتعاليمها الطائفية وطريقة لباسها ومميزاتها الدينية.

وقالت تقارير أمنية إن منفذ الهجوم الأخير هو فتى كردي من تركيا يبلغ من العمر 15 عاما، وصرح للشرطة بأنه “يخجل من نفسه” لأنه لم يتمكن من قتل ضحيته، وقال وفق مصدر مقرب من التحقيق “لست نادما، أنا فخور بذلك”. وعند تسريب هذا التصريح الصادر عن المشتبه فيه، أثيرت مسألة لباس القلنسوة للرجال اليهود في الأماكن العامة وطالب عدد من قيادات الطائفة بعدم لباسها مرة أخرى.

وفي نوفمبر طعن مدرس يهودي آخر من قبل شبان أطلقوا هتافات معادية للسامية وأعربوا عن دعمهم لتنظيم الدولة الإسلامية، وهو ما دعا الأمن الفرنسي إلى التدخل ونشر قوات نظامية محيطة بعدد من المعابد المعروفة في مدينة مرسيليا الفرنسية ومعابد أخرى في كل من باريس وليون وغرونوبل وتولوز، وهي مدن تعرف بوجود جاليتين كبيرتين من اليهود والمسلمين على حد السواء.

وتقول أم يهودية في مرسيليا “عندما أترك أولادي على باب المدرسة، أشعر بغصة في الحلق”، مضيفة أنها طلبت من ابنها البالغ من العمر 14 عاما عدم ارتداء القلنسوة، تماشيا مع رأي زيفي عمار زعيم الطائفة اليهودية في فرنسا، وأكدت المتحدثة أن موقفها جاء على خلفية خوفها من “قتل ابنها لأنه يهودي”، مؤكدة أن “الحفاظ على حياته أهم من لباسه القلنسوة”.

ويبلغ عدد اليهود في مرسيليا نحو 70 ألفا من بين 850 ألفا من السكان. كما يعيش فيها أكبر عدد من المسلمين ويبلغ عددهم 220 ألفا.

ويقدر إجمالي عدد اليهود في فرنسا ما بين 500 و600 ألف يهودي، وهو أكبر عدد من اليهود في أوروبا، ويشكلون واحدة من أكبر الجاليات اليهودية في العالم.

ورفض المتحدث باسم الحكومة ستيفان لافول الإدلاء برأيه بشأن القلنسوة، وقال إن هذا “جدل نشأ داخل المجتمع اليهودي”، إلا أنه أكد أن دور الدولة هو “توفير الحماية ونبذ الأعمال المعادية للسامية”.

وصرح للتلفزيون الفرنسي قائلا “للأسف إن معاداة السامية مستمرة منذ فترة طويلة للغاية، وتتخذ اليوم أشكالا جديدة”.

وعرج لافول على رأي الحاخام زيفي الذي يعده “صائبا” لأن المسألة لا تتحمل اليوم مزيدا من الضحايا، مؤكدا أن فرنسا تمر بفترة صعبة جدا.

نجاة فالو بلقاسم: ولدت سنة 1977 بالمغرب، وزيرة التربية في حكومة فرانسوا هولاند الحالية، وهي فرنسية لأب مغربي وأمها جزائرية. تقلدت مناصب وزارية عديدة في السابق من بينها وزيرة المرأة.

نزع القلنسوة موقف انهزامي وخطأ في حق الدولة

مقابل آراء الحاخام زيفي عمار وستيفان لافول، فإن العديد من الوزراء والسياسيين تحدثوا عن هذه المسألة مؤكدين أن فرنسا في إمكانها حماية مواطنيها وضمان حرية ممارستهم لقناعاتهم وشعائرهم الدينية في كنف الأمان، مشيرين إلى أن موقف زيفي عمار ومن يدعمه يعد تسهيلا لما يريده الإرهابيون وهو التخويف ولجم الناس عن ممارسة حريتهم الدينية.

فقد أعربت وزيرة التعليم نجاة فالو بلقاسم عن استغرابها من دعوة الحاخام عمار، وقالت “أنا شخصيا لا يمكن أن أعطي مثل هذه النصيحة”. وأكدت في حديث مع الإذاعة الفرنسية أن عمار “كانت نيته حسنة، ولكن هذه ليست الرسالة المناسبة، خاصة الآن”.

وقال بريس أورتوفو من حزب الجمهوريين اليمين الوسط إنه من المستحيل “تغيير السلوك في مواجهة هذه الأعمال الشنيعة”.

وأكد بريس أورتوفو أن “الاستسلام لما يريده المعتدون يعد إهانة لكل الأديان في فرنسا وخاصة إهانة للدولة ومؤسساتها وتاريخها العريق من العلمانية وضمان حرية الناس وأمنهم”، مضيفا “لقد ثارت فرنسا منذ القرن الثامن عشر على هذه الممارسات، القبول بنزع قلنسوة اليهود فيه تشكيك في الدولة ونكران لتاريخ أجدادنا”.

وتعبيرا عن تضامنهم لما حدث للمدرس اليهودي، ارتدى النائب كلود غوسغين ونائب رئيس مجلس المؤسسات اليهودية في فرنسا ميير حبيب القلنسوة اليهودية في أروقة البرلمان الفرنسي.

ورفض كبار زعماء اليهود في فرنسا الدعوة إلى عدم ارتداء القلنسوة، ووصفوا ذلك بأنه “سلوك انهزامي” وإساءة إلى هوية اليهود.

وكتبت بعض الصحف المتابعة لشؤون الأديان في فرنسا أن تصريح زيفي عمار رئيس الطائفة اليهودية في فرنسا بعدم ارتداء القلنسوة يعد تجاوزا لحقوق الدولة وحقوق اليهود والحرية الشخصية للناس.

أدعو الرجال والصبيان اليهود إلى عدم ارتداء القلنسوة حتى تأتي أيام أفضل وذلك خوفا على حياتنا وعلى أمن فرنسا واستقرارها ودرء كل المخاطر

وجاء رد فعل كبير حاخامي فرنسا حاييم كورسيا سريعا في وقت متأخر حيث أقر أن دعوة عمار تأتي من “منطلق عاطفي مفهوم ولكن علينا ألا نستسلم مطلقا”.

وقال رئيس الجالية اليهودية جويل ميرغي، رئيس الكنيس اليهودي المركزي في فرنسا “إذا تخلينا عن ارتداء أي رمز مميز لهويتنا، فإن ذلك يثير تساؤلات حول مستقبلنا في فرنسا”.

وأكد ميرغي أن اليهود كثر في فرنسا “لأن الاعتقاد السائد لدى غالبية اليهود هو أن فرنسا بلد يسع الجميع، وفيه الحريات متوفرة بجانب الأمن والاستقرار”، مضيفا أن “العديد من اليهود في فرنسا لا يريدون الذهاب إلى إسرائيل”.

وقد اعتبر محللون أن هذا التصريح يعد تلميحا مبطنا إلى أن البديل عن فرنسا هو الذهاب إلى إسرائيل.

وتزايدت الهجمات ضد اليهود في فرنسا في السنوات الأخيرة حيث زادت بنسبة 84 بالمئة في الفترة من يناير 2015 ومايو 2015 مقارنة مع العام السابق، طبقا لإحصاءات رسمية.

ونتيجة لذلك فقد تزايدت أعداد المهاجرين اليهود من فرنسا إلى إسرائيل وبلغت 7900 يهودي في العام الماضي.

وجاء هجوم الأسبوع الماضي بعد أيام من إحياء فرنسا الذكرى الأولى لضحايا هجمات باريس التي أودت بحياة 17 شخصا من بينهم أربعة قتلوا في متجر يهودي. كما جاء بعد أربعة أيام على هجوم شنه جهادي على مركز للشرطة في باريس، بعد عام من المجزرة التي تعرضت لها صحيفة شارلي إيبدو الساخرة.

كما أن هذا الهجوم هو الثالث على اليهود خلال الأشهر الأخيرة في مرسيليا، حيث يعيش ثاني أكبر عدد من اليهود في فرنسا بعد العاصمة باريس. وقد تعرض ثلاثة من اليهود للاعتداء في أكتوبر، أحدهم بسكين قرب كنيس يهودي على يد مهاجم في حالة سكر.

12