استهلاك مرتفع للتونسيين في رمضان رغم الأزمة الاقتصادية

مؤسسات حكومية ومنظمات مدنية تونسية تكثف دعواتها لترشيد الاستهلاك في رمضان والاكتفاء بشراء الضروريات لتجنب النفقات الإضافية والحد من ارتفاع معدل التضخم.
الثلاثاء 2018/05/22
رغبات تتجاوز الإمكانيات

يشتكي التونسيون من غلاء كبير للأسعار في الأسواق ويقولون إن ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية أصبح عبئا ثقيلا عليهم وساهم في تدهور مقدرتهم الشرائية، لكن الأرقام الرسمية تكشف عن تناقضات عديدة في هذا الشأن، حيث تؤكد أن استهلاك التونسيين في شهر رمضان يتضاعف مقارنة بفترات أخرى من السنة. ويرجع المتابعون والخبراء الإنفاق المبالغ فيه في رمضان إلى ثقافة الاستهلاك الراسخة لدى التونسيين.

كشفت بيانات رسمية حديثة في تونس أن استهلاك المواطنين خلال شهر رمضان يرتفع رغم التذمر من غلاء الأسعار وتدهور المقدرة الشرائية. وأعلن المعهد التونسي للاستهلاك (حكومي) أن نسق استهلاك التونسي في ارتفاع متواصل تقدر نسبته السنوية بما بين 8 و9 بالمئة.

وتضررت المقدرة الشرائية للتونسيين بسبب الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد منذ عام 2011، لكن مع حلول شهر رمضان من كل سنة يلاحظ المراقبون إقبال التونسي على الإنفاق دون أن يعير اهتماما لغلاء المعيشة. وأشار المعهد إلى ارتفاع مشط في استهلاك البعض من المواد خلال رمضان ومن بينها: التن والتمر والخبز.

ويقول المراقبون إن إقبال المواطن المتزايد على الاستهلاك خلال رمضان يكشف عن تناقضات واضحة، فبينما يتذمر المواطن من ارتفاع الأسعار خاصة المواد الغذائية الأساسية إلا أنه يستهلك بشكل مبالغ فيه يصل حد التبذير خلال هذا الشهر.

وصرح مدير المعهد الوطني للاستهلاك طارق بن جازية، لوسائل إعلام محلية، أنّ “ثلث ما يطبخ في رمضان مصيره سلة المهملات”.

سليم سعدالله: ثقافة التبذير تنتشر حيث بات الإنفاق بشكل مبالغ فيه يتجاوز الحاجة
سليم سعدالله: ثقافة التبذير تنتشر حيث بات الإنفاق بشكل مبالغ فيه يتجاوز الحاجة

ويرى سليم سعدالله رئيس منظمة الدفاع عن المستهلك، في تصريح لـ”العرب”، أن “رمضان هو شهر استهلاك بامتياز بالنسبة للتونسيين”.

وتتراوح نسبة ارتفاع الإنفاق على المواد الغذائية مقارنة مع بقية أشهر السنة ما بين 50 و100 بالمئة وفق تقديرات الخبراء ومنظمة الدفاع عن المستهلك.

وأوضح سعدالله أنه “في رمضان يرتفع الاستهلاك بصفة خاصة للمواد المدعمة، خاصة لدى الطبقة المتوسطة والفقيرة التي نراها تقف في طابور طويل تنتظر الخبز أو الزيت”.

وبيّن أن “ثقافة التبذير انتشرت في المجتمع حيث بات التونسي ينفق في هذا الشهر بشكل مبالغ فيه يتجاوز الحاجة”.

ودعا سعدالله “إلى ضرورة توعية المواطن حتى يجيد التحكم في الاستهلاك”، مؤكدا أنه يجب الأخذ في الاعتبار الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها بالبلاد. وتابع “يجب ترشيد الاستهلاك تجنبا لضغوط مالية قد تزيد من تدهور المقدرة الشرائية للمواطن”.

ومع بداية رمضان تكثف مؤسسات حكومية ومنظمات مدنية دعواتها لترشيد الاستهلاك في هذا الشهر والاكتفاء بشراء الضروريات لتجنب النفقات الإضافية والحد من ارتفاع معدل التضخم، حيث تشهد أسعار البعض من السلع صعودا بأكثر من 150 بالمئة.

وأظهرت بيانات حديثة للمعهد التونسي للإحصاء أن المستوى الحالي لغلاء المعيشة في تونس يعد الأعلى منذ 27 سنة بعد أن تجاوزت نسبة التضخم 7.5 بالمئة في أبريل الماضي، وكانت أعلى نسبة تضخم سجلتها البلاد عام 1986 حيث بلغت 14 بالمئة.

وأرجع معهد الإحصاء غلاء المعيشة إلى الارتفاع الكبير في أغلب المنتجات والخدمات، وفي مقدمتها المواد الغذائية بنسبة 7.7 بالمئة والملابس بنسبة 6.4 بالمئة والتجهيز المنزلي بنسبة 6.9 بالمئة والنقل بنسبة 9.5 بالمئة وخدمات الصحة بنسبة 5.6 بالمئة.

لكن يبدو لافتا احتفاء التونسي برمضان من خلال التمسك بالاستهلاك ولو كان بتكلفة باهظة. وأشار رضا الشكندالي أستاذ الاقتصاد في الجامعة التونسية، لـ”العرب”، إلى أن “التونسي يميل إلى الإنفاق حتى لو تجاوز مقدرته الشرائية”.

وتابع “قد يلجأ المواطن إلى الاقتراض من البنوك أو أن يستدين من أصدقائه، المهم أن يمر الشهر في أحسن الظروف”، مضيفا أنه “من غير الممكن أن يضغط التونسي على الاستهلاك في رمضان”.

وأظهرت إحصائيات سابقة نشرها البنك المركزي التونسي أن تديّن الأسر لدى مختلف البنوك سجل ارتفاعا بنسبة 61 بالمئة منذ العام 2010، منها 35 بالمئة قروض موجهة للاستهلاك.

ويشرح خبراء اجتماع ظاهرة الإفراط في الاستهلاك في رمضان، بشكل يبدو وكأن المواطن لم يتأثر بالأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضيق بها تونس، بترسخ البعض من العادات لدى التونسيين التي تبرر هذا الاستهلاك المبالغ فيه.

 مستوى الإنفاق يتجاوز المقدرة الشرائية المتدهورة
 مستوى الإنفاق يتجاوز المقدرة الشرائية المتدهورة

وترغب العائلات التونسية في استغلال شهر رمضان للاستمتاع بالأجواء الروحية والاجتماعية والتخلص من الضغوط بالبحث عن الراحة النفسية وتجد في الاستهلاك والاستمتاع بالطعام المنفذ الأول لذلك.

وبيّن سامي نصر الباحث في علم الاجتماع، لـ“العرب”، أنه “في ثقافة التونسي يختزل الاحتفال بالوليمة وهو ما يفسر أهمية الأكل ومائدة رمضان التي يوفر لها الأموال والمستلزمات الخاصة”.

ولفت نصر إلى أن “التونسي يشكو طوال السنة من الغلاء لكن مع شهر رمضان يطبق سلوكا عكسيا”، مفسرا ذلك بأن “المواطن يحاول التحرر من الضغوط المالية بغض النظر عن الأزمة الاقتصادية المتفاقمة ويقبل على الاستهلاك حتى يستأنس بمائدته الرمضانية ويتغاضى عن هموم واقعه”. وأفاد بأن التونسي يحاول التهرب من الضغوط في رمضان ولا يرغب في التفكير في الغلاء، معتبرا أن “مائدة رمضان تبعث السعادة للمواطن وأنها تحولت إلى مصدر للتفاخر ومقياس للفشل أو النجاح في المجتمع”.

وتشير بيانات منظمة الدفاع عن المستهلك إلى أن 80 بالمئة من التونسيين تنتهي رواتبهم خلال النصف الأول من كل شهر، ويشمل ذلك الطبقة المتوسطة التي تعتبر ميسورة نسبيا.

وتقول المنظمة إن المقدرة الشرائية المتدهورة عادة ما تشهد المزيد من التراجع خلال شهر رمضان نتيجة تهافت المواطن على المواد الغذائية والمنتجات الاستهلاكية الأخرى مثل الحلويات والمشروبات.

4