استياء اجتماعي مصري بعد وفاة طفلة تحت تعذيب جدتها

عدم تفعيل القانون يشجع على العنف الأسري ضد الصغار، والقوانين تعطي الأم والأب الحق في التأديب، لكن لها ضوابط.
الاثنين 2019/09/30
ندوب نفسية لا يفيد معها التدخل المتأخر للمسؤولين

تعاني أسر عربية من الخلط بين تأديب الطفل وتعريضه للإيذاء البدني، ويتمترس البعض خلف نصوص دينية يساء تأويلها لممارسة اعتداء ممنهج على الصغار، وتحويل أدوات، كالأحذية والأحزمة الجلدية، لوسيلة عقابية يتم إشهارها مع أي سلوك حتى لو لم يكن مناسبا للمرحلة العمرية.

القاهرة – أثارت وفاة الطفلة جنة سمير التي تقطن بإحدى قرى الدقهلية بدلتا مصر بعد تعرضها لفاصل من الاعتداءات على يد أفراد من أسرتها صدمة مجتمعية من تفشي أساليب التعذيب. فالطفلة التي لا يتجاوز عمرها 4 سنوات، تعرضت لحرق مستمر لأعضائها التناسلية وغرغرينا (موت أنسجة) بالقدم اليسرى لمجرد استمرارها في التبول اللاإرادي.

لم تكن جنة التي شيع الآلاف جثمانها بمسقط رأسها السبت، الضحية الوحيدة في الأسرة ذاتها فشقيقتها الكبرى أماني (6 سنوات) تعرّضت للتعذيب بخلع الأظافر والكي في أسفل البطن على يد الجدة والأخوال الثلاثة الذين كان يفترض تقديمهم العناية بصغيرتين ولدا لأب وأم كفيفين عجزا عن تقديم الرعاية اللازمة لهما.

وتعتبر مأساة الطفلتين تجسيدا لسلوكيات متفشية في العديد من الأسر، لأسباب تتراوح بين الرعونة في تطبيق القوانين التي تحمي حقوق الأطفال في نطاق أسرهم، أو تستر المجتمع عليهم في نظرة تعتبرهم ممتلكات خاصة يمكن التعامل معهم وفقا للأهواء.

وتشهد أقسام شرطة ومستشفيات مصرية وقائع متكررة لأطفال تعرضوا للتعذيب على صعيد أسرى، ويصل الأمر أحيانا إلى درجة الوفاة جرّاء الضرب والإهمال، وكان الرابط المشترك الوحيد بين بعضها اعترافات أولياء الأمور أنهم أرادوا تقويم سلوكهم، ولم يقصدوا أن تصل الأمور إلى حد الضرب المؤذي.

ونُقلت طفلة تدعي هبة (8 سنوات) من إحدى قرى دمياط بمصر إلى مستشفى تخصصي مؤخرا، بعد تعرضها للتعذيب على مدار شهور على يد والدها وزوجته الجديدة، لإجبارها على أعمال منزلية شاقة تغتال طفولتها، حتى تمكّنت من الهرب إلى منزل جدها.

الطفل الذي يتعرّض للإيذاء البدني الشديد يبحث عن الأب البديل أو الأم البديلة في شبكة العلاقات المحيطة به

ولا تزال هبة، التي بدأت آثار الكدمات المتناثرة أسفل أعينها والندوب على معصمها في الاختفاء، تعاني من شروخ نفسية، رغم انتقالها للعيش بصحبة جدها، وتخشى التعامل مع الغرباء، ولديها فوبيا من المكواة والأشياء الساخنة، بعدما ظلت لأشهر تتعرض للضرب والحرق بسكين ساخن وكسر مضاعف في 4 أضلع.

وأكدت أمل جودة، مدربة في مجال دعم وحماية حقوق الطفل بمصر، أن ضرب الصغار دارج في ثقافة المجتمع كأحد عناصر التربية، فالأبوان يستخدمانه في المنازل ويطالبان المعلمين بتكراره مع صغارهم حال عدم أدائهم فروضهم المدرسية أو ضعف تركيزهم.

وأضافت، لـ”العرب”، أن مواجهة الاعتداءات البدنية إزاء الأطفال تحتاج إلى حملة توعوية من المجلس القومي للطفولة والأمومة (حكومي)، الذي خاض حملات ناجحة إزاء التنمّر ضد الأطفال والختان وتنظيم الأسرة، وتعريف الأطفال بكيفية التحرك إذا تعرّضوا للتعذيب والجهات التي يمكن أن يلجأوا إليها.

ويتم التضحية بالأطفال أحيانا في العلاقات غير المشروعة ليدفعوا الثمن مرتين إما بمشاهدتهم ممارسات غير مفهومة تقتل براءتهم مبكرا وإما خلق شبكة من الرعب داخلهم لمنعهم من الحديث عنها مثلما حدث مع محمد عبدالله (4 سنوات ونصف) من إحدى قرى مدينة ميت غمر بدلتا مصر الذي رأى شقيقته ووالدته في أوضاع مخلّة للآداب.

وظل الطفل يتعرّض للتعذيب لعدة أشهر قبل أن يهدد بإخبار والده عامل النظافة البسيط ليتعرّض لطعنة نافذة في البطن استوجبت نقله إلى مستشفى حكومي على مشارف الاحتضار، وبعد عشرة أيام من الاحتجاز في غرفة العناية المركزة استعاد وعيه ليكشف ملابسات الواقعة، ويتوقف بعدها عن الحديث لمدة شهر كامل مصابا بأزمة نفسية.

ويشكو الناشطون في حقوق الطفل بمصر من أن تغيير الحضانة لمن يتعرّض للتعذيب من أسرته وإلحاقه بجمعيات أهلية لا يحول دون تكرار الأمر مجددا، فالكثير من دور الرعاية لا تمتلك موظفين أكفاء يتعاطون مع حاجات الأطفال، ولا يستقبلون إلا الأيتام فقط لجذبهم شبكة المتبرعين، وحتى حال استضافتهم يتعرّضون للعقاب البدني والمعايرة بأنهم كانوا منبوذين من أسرهم التي رغبت في التخلّص منهم. ولم يعرف جدّ الطفل محمود حماد (5 سنوات)، الذي تعرّض للتعذيب بإحدى قرى القليوبية المتاخمة للقاهرة، بوجود خط ساخن يمكنه الاتصال به لمساعدة حفيده الذي عرف من شقيقه بتعرضه للتعذيب من قبل والدته وزوجها، وظل حائرا حتى تلقى اتصالا من مستشفى يعلمه بوصول محمود في حالة إعياء كامل بعد تعرّضه للضرب المبرح.

ثقافة التربية الصحيحة غائبة
التربية الصحيحة ثقافة ووعي

وأوضح أحمد مهران، الخبير القانوني، أن القوانين المصرية تضع شبكة حماية للأطفال وتبدأ العقاب من مجرّد تعريضهم للخطر لكن تظل الإشكالية في التطبيق والتفعيل الذي يحقق الردع، والجرائم يتم معرفتها بالصدفة أو حال تفاقم الأمر ووصول الضحية إلى أقسام الشرطة، وبالتالي لا تتوفر الحماية لكل الأطفال الذين يتعرّضون لتصرفات مشابهة. ولفت مهران، لـ”العرب”، إلى أن القوانين تعطي الأم والأب الحق في التأديب، لكن لها ضوابط ألا تصل درجة استخدام القوة إلى مستوى الجريمة والعنف والخروج من دائرة المباح، وأن يتضمن جسد الطفل علامات وإصابات أو عاهات مستديمة أو أن يتعرّض لتعمّد إهانته وتصويره في مشاهد مؤذية.

وترتبط وقائع تعذيب الأطفال غالبا بالقرى أكثر من المدن، فشبكة معرفة الأهالي ببعضهم البعض تحُول دون أن يقدم أي منهم على إبلاغ الشرطة تحاشيا للصدام بين العائلات.

وكان الاستثناء الوحيد في طفلة تعرّضت للتعذيب بمحافظة البحيرة في شمال القاهرة، على يد خالتها التي دأبت على حبسها في دورة المياه عقب تجريدها من ملابسها وقص شعرها وحرقها، وتدخل الأهالي واقتحموا المنزل وسلموا الضحية للشرطة في قضية رأي عام حينها، وصدر فيها حكم قضائي بعقوبة مغلظة وصلت إلى 10 سنوات سجن.

وكشف جمال فرويز، أستاذ علم النفس، أن الطفل الذي يتعرّض للإيذاء البدني الشديد يبحث عن الأب أو الأم البديلة في شبكة العلاقات المحيطة به سواء بين الأقارب أو المعلّمين في المدرسة، وفي حال فشله في تعويضه تتولد داخله حالة عدم استقرار نفسي تظهر في شكل كراهية المجتمع ومحاولة الانتقام أو العزلة عنه والعيش منفردا.

وأشار لـ”العرب”، إلى أنّ ثقافة التربية الصحيحة غائبة، وأفضل وسائل لعقاب الطفل ليس الضرب الذي يعتاد عليه بعد فترة، لكن عبر الحرمان من الأنشطة المحبّبة له والتي ثبت أنها أفضل الطرق لتقويم السلوك.

21