"استيقاظ متأخر" فيلم سوري بطله الجسد

بشار عباس: الإيماء الحركي أساس السرد السينمائي.
السبت 2021/02/20
أحياء وأموات معا

تبحث السينما السورية عن المزيد من الأفكار والطاقات في سعي منها للاختلاف والتجديد، فبعد مسيرة طويلة من عمرها قدّمت خلالها العديد من التجارب المنفردة، تتابع تقديم شكل سينمائي يحمل شرطية خاصة في التناول والتقديم. ومن أحدث هذه التجارب ما تقدّمه المؤسسة العامة للسينما في الفيلم الروائي القصير “استيقاظ متأخّر” للمخرج بشار عباس.

دمشق - تبدو السينما السورية شغوفة بإطلالات تجريبية في الطرح والتنفيذ، بحيث تنتهج رؤى مختلفة في تقديم أفكارها، وهو الأمر الذي ينظر إليه بحذر سواء من قبل المعنيين بالشأن السينمائي السوري كجهات منتجة أو من قبل شرائح الجمهور المختلفة، وكثيرا ما تدور جولات من الجدل بعد إنتاج أي فيلم يحمل ملامح تجريبية أو يحمل شرطية خاصة كما يسميه البعض.

وضمن هذا الخيار ينحو السيناريست والمخرج بشار عباس في أولى تجاربه السينمائية مع المؤسسة العامة للسينما إلى تقديم رؤية سينمائية شرطية تعالج فكرة يتداخل فيها النوم واليقظة والحلم بالحقيقة والواقع بالخيال والساكن بالمتحرّك من خلال فيلم حمل عنوان “استيقاظ متأخّر”.

عوالم متناقضة

بشار عباس: الفيلم القصير إذا تجاوز الدقيقة تحتاج كل ثانية فيه إلى إجابة
بشار عباس: الفيلم القصير إذا تجاوز الدقيقة تحتاج كل ثانية فيه إلى إجابة

في الفيلم عوالم متناقضة بين الحياة والموت والنوم واليقظة، وقدرات خارقة للأشخاص تستطيع من خلالها أن تعرف ما هو أكثر وأبعد. ورغم دقائق الفيلم القصيرة، إلاّ أن عدد الممثلين فيه كان عشرين ممثلا قدّموا فيه أداء حركيا خالصا.

والفيلم من بطولة مجموعة ممثلين شباب منهم: سامر سفاف وأنس كاتب وعلي إسماعيل وإنانا راشد وعلاء زهرالدين ومروان خلوف وعدي حسن وجولييت خوري وتمام رضوان.

لم يكتب عباس حوارا في الفيلم، بل ترك لانسيابية الجسد وإيماءاته الكلمة الفصل في البوح عن مكنونات شخوصه، فالمدلولات التي يريد الوصول إليها ستكون من خلال مجموعة من الحركات والإيماءات التي تعصف بحياة أبطاله.

ولأجل إيصال فكرته للجمهور اعتمد المخرج السوري شكل التكثيف الزمني إلى أقصى درجة، فهو يرى أن الفيلم القصير إن تجاوزت مدته الدقيقة سيحتاج في كل ثانية فيه إلى جواب، لذلك يميل إلى التكثيف لأبعد درجة ممكنة بشرط أن تكون الفكرة قد نالت حقها في البيان لكي تصل للمتلقي واضحة جلية.

ويوضّح “مدة الفيلم القصيرة لن تجعلنا قادرين على إطلاق أحكام قيّمة على جودة أداء الممثلين، لذلك كان الحل في الإيماء، في الفيلم حكاية تتضمن مقولة نريد الوصول إليها وفي سبيل ذلك علينا أن نبني فيلمنا بصريا، ولا أهدف في العمل إلى طرح أفكار مباشرة لأنني أرى أن الجمهور شريك في عملية تلقي الفيلم من خلال الإشارات والأفكار التي نقدّمها له وعليه في النهاية أن يعرف الطريق للوصول إليها دون أن يراها بشكل مباشر”.

ويتابع “أجد أن الحوار المنطوق هو خارج الفعل الدرامي وأحبّذ أن يحلّ مكانه الفعل الحركي الجسدي الإيمائي، حكاية الفيلم تعبّر عن مجموعة من الأفكار التي أرى أنه ومن خلال شرطية الفيلم وخاصة زمنه القصير من الأفضل أن تكون من خلال لغة الإيماء بدل الحوار المباشر المعروف”.

ويعدّ فيلم “استيقاظ متأخّر” أول تجارب عباس في الإخراج السينمائي وهو الذي اختص في الكتابة للدراما التلفزيونية، وهو الذي كتب سيناريو وحوار مسلسلي “ترجمان الأشواق” و”صانع الأحلام” كما شارك في إعداد مسلسل “شبابيك” وغيرها.

تجارب رائدة

الإيماء بالجسد بديلا عن الحوار
الإيماء بالجسد بديلا عن الحوار

خلال مسارها الفني الطويل، قدّمت السينما السورية على صعيد الفيلم الروائي الطويل أو القصير تجارب هامة حقّقت نجاحا فنيا ونقديا حينا وتعثّرت في أحيان أخرى. إلاّ أنها في المجمل حقّقت رصيدا جيدا من الجوائز والتكريمات في العديد من المهرجانات السينمائية الإقليمية أو العالمية.

ويعدّ فيلم “اليازلي” للسينمائي العراقي قيس الزبيدي الذي أقام في سوريا طويلا، تجربة مبكرة في ما يصطلح على تسميتها بسينما التجريب، وهو الذي أنتج في العام 1974 عن فكرة مستوحاة من قصة للكاتب السوري الراحل حنا مينة بعنوان “على الأكياس”.

قدّم الزبيدي في فيلمه الروائي الطويل أسلوبا إخراجيا تجريبيا اعتمد فيه لغة سردية مختلفة بنيت على تقطيعات مونتاجية غير معتادة. وكان بإيقاعه البطيء عملا مختلفا في سياقه الزمني على الجمهور السوري حينها، إذ حاول المخرج من خلاله تأسيس خط جديد في هذا الشكل السينمائي بحيث يتخلص من الثيمة التجارية التي كانت سائدة في معظم أفلام السينما العربية حينها. وحقّق الفيلم رغم حجبه عن العرض لمدة تقارب الأربعين عاما حضورا فنيا ونقديا هاما.

أما في الفيلم القصير فظهرت العديد من المحاولات منها فيلم “أيدينا” للمخرج عبداللطيف عبدالحميد (1982)، وكان أول تجاربه السينمائية بعد تخرّجه من الدراسة في الاتحاد السوفييتي، وفيه اعتمد المخرج المخضرم أيضا لغة سينمائية تجريبية.

وتناول فيلم “أيدينا” فكرة ما يمكن أن تفعله الأيادي في أعمال إنسانية مختلفة بقيادة مايسترو موسيقي والتناقضات أو الخراب الذي يمكن أن تصل إليه في مقابل الأعمال الصالحة التي يمكن أن تقوم بها أيضا.

وكذلك قدّم المخرج نبيل المالح تجربة متميزة في فيلم “فلاش” عام 1997 الذي كتبه ومثله بسام كوسا، الشخصية الوحيدة في العمل الذي فاز بالجائزة الذهبية في مهرجان دمشق السينمائي في دورته العاشرة، وعالج المالح في فيلمه موضوع  استيلاب الإنسان وتفريغه من محتواه وتحويله إلى آلة قمعية عبر استغلال فقره وجوعه. وحقّق الفيلم صدى طيبا حين عرضه وشارك في العديد من المهرجانات العالمية.

14