اسطنبول جنة ولهيب

الخميس 2014/07/10

تفاءلت وأنا أتصفح المجلة التي وضعت أمامي في كرسي الطائرة التي تقودني إلى اسطنبول، إذ وجدت نفسي بين صفحات خصصت لـ”لوركا”: صور له، وسيرة، وبعض النصوص: بداية جميلة لرحلة كنت أتوق إليها منذ فترة بعيدة.

ثم وأنا أغادر المطار لأرى المدينة بنظرات سريعة من خلف زجاج التاكسي، أجدها أشبه بما لم يتحدث عنه كثيرا كاتبها “باموق”، إذ صورها في كثير من الأحيان مدينة حزينة، بين الأسود والأبيض، مقابل توصيفاته المغرية لـ”البوسفور”، والذي تركت زيارته للأيام الأخيرة من فرط رغبتي في مشاهدة الشوارع، والأرصفة، والناس الذين يسيرون بملابس ذات عشرات الألوان الجميلة في شارع “استقلال”.

لم أجد ما يشدني كثيرا في “أيا صوفيا” رغم ما سمعته عنه، وما شاهدته من توافد الأجانب عليه. ربما هو غريب وخلاب وجذاب بالنسبة إليهم أكثر مما يكون لنا، مثل كثير من الأشياء، أو ربما لشدة ما رأيت من جوامع حولي وزرت جوامع جميلة جدا في أصفهان، وتبريز، وشيراز. تراءى لي أن هناك مبالغة في الحديث عنه، وسعدت لأنه أيضا لم يكن في قائمة الأماكن التي تهمّني زيارتها منذ بداية رحلتي.

وما شدني أكثر لأفكر حتى في أن أقيم باسطنبول هو ذلك الطابع البرزخي فيها، وأنا أزورها كأية سائحة سعيدة وبلا هموم طوال النهار، أجد صديقنا المقيم فيها يحدثني مساء عن حادثة قتل شرف حدثت في إحدى مناطقها الشعبية، وعمّا هو مسكوت عنه في هذه المدينة الساحرة التي لم أصادف أحدا زارها ولم يتحدث عن عشقه لها. تأكدت أنها برزخ أيضا ككل مكان زرته حتى الآن، غير أنه يغلب عليها طابع الجنة، خلافا لتلك المدن.

وهكذا تنتهي الليالي في اسطنبول بأحاديث تكشف لي ما لم أره فيها، ليبدأ الصباح وأرى نفسي ثانية في حضن جنتها، على أرصفتها الحجرية كما وصفها “باموق”، وفي حيّ به ما يشبه الترف الذي تحدث عنه وتربى فيه منذ طفولته، من غرفة تحيط بها غابة صغيرة، وطريق سريع فارغ، وشارع عريض هادئ. هكذا إلى أن أركب المترو الذي يقودني نحو قلب اسطنبول، إلى ما يمنحني سعادة كبيرة وأنا أواصل هرولتي المعتادة هناك، أفكر في ما يميزها عن الغرب والشرق، وما يربطها بهما، أصنع لنفسي برزخا جميلا، وأزينه بمبالغاتي في مغرياتها، بالكراسي التي وضعت على الأرصفة، بمشهد البحر، والشواطئ التي لا تشبه شواطئنا بمقاهيها وترتيبها الأنيق، برزخ تبدده صبية سورية لترميني بين ألهبة حارقة، وهي تمرّ مع والدتها بأسمال بالية وتمدّ يدها نحونا قائلة: “ساعدوني، أنا عربية”.


كاتبة من إيران

15