"اسمعني كذلك" شعار الحملة العالمية لمناهضة العنف ضد المرأة

تقرير أممي يؤكد أن واحدة من ثلاث نساء في العالم تتعرض للعنف الجسدي أو الجنسي ويكون غالبا من طرف العشير.
الأحد 2018/11/25
كسر حاجز الصمت

اعتبرت منظمة الأمم المتحدة العنف ضد النساء والفتيات أحد أكثر انتهاكات حقوق الإنسان انتشارا واستمرارا وتدميرا في العالم اليوم، واتخذت من يوم 25 نوفمبر يوما عالميا لمناهضة العنف ضد النساء. وتحيي دول العالم هذا اليوم في سعي مستمر للتوعية بتداعياته على حياة المرأة في شتى النواحي. ويتخذ هذا العنف المستشري أشكالا متعددة ملحقا الأذى بالإناث في جل الفئات العمرية، إلا أن معظم حوادث الاعتداء والإيذاء التي تطالهن لا يتم الإبلاغ عنها لأسباب متعددة من بينها غياب العقوبات الرادعة وإحساس الضحية بالعار اللذان يجعلانها تلتزم الصمت.

لندن - يتّخذ العنف ضد النساء أشكالا متعددة منها الاعتداء الجسدي أو الجنسي مثل التحرش والاغتصاب أو الإيذاء النفسي ويشمل أيضا عنف العشير بما في ذلك الضرب والإساءة النفسية والاغتصاب الزوجي. وبحسب أرقام منظمة الأمم المتحدة، تتعرض واحدة من ثلاث نساء في العالم خلال حياتها، ويكون في معظم الأحيان من طرف العشير.

وأظهرت الإحصائيات على الصعيد العالمي أن نسبة 52 بالمئة فقط من النساء المتزوجات أو المرتبطات يتخذن بحرية قراراتهن بشأن العلاقات الجنسية واستخدام وسائل منع الحمل والرعاية الصحية، ومن بين الدول التي تصنّف على أنها رائدة في مجال حقوق الإنسان وحقوق المرأة الولايات المتحدة والتي فشلت مؤخرا في تعديل مشروع قرار للأمم المتحدة حول الاعتداءات الجنسية والعنف ضد النساء، حيث سعت الرئاسة الأميركية تحديدا إلى إلغاء فقرة من هذا القرار غير الملزم تتناول الحق في الحصول على الخدمات الطبية للصحة الجنسية والإجهاض الآمن وحق النساء في تقرير ما يتعلّق بحياتهنّ الجنسية.

وحاولت واشنطن أيضا إجراء تعديل على فقرة حول حقّ حصول الفتيات على الصحة الجنسية، لكنها فشلت في ذلك أيضا. وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش “لا يمكن الحديث عن عالم عادل ومتساو ما دامت النساء والفتيات غير قادرات على العيش بمنأى عن كافة أشكال العنف والخوف”.

وقُتلت واحدة من كل اثنتين من النساء في جميع أنحاء العالم على يد عشيرها أو أسرتها في العام 2012، بينما قتل واحد فقط من بين 20 رجلا في ظروف مماثلة.

أنطونيو غوتيريش: لا يمكن الحديث عن عالم عادل ومتساو ما دامت النساء والفتيات غير قادرات على العيش بمنأى عن كافة أشكال العنف والخوف
أنطونيو غوتيريش: لا يمكن الحديث عن عالم عادل ومتساو ما دامت النساء والفتيات غير قادرات على العيش بمنأى عن كافة أشكال العنف والخوف

وعَرّف إعلان القضاء على العنف ضد المرأة الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1993، العنف ضد المرأة على أنه “أي فعل عنيف تدفع إليه عصبية الجنس ويترتب عليه أو يرجّح أن يترتب عليه، أذى أو معاناة للمرأة سواء من الناحية الجسمانية أو الجنسية أو النفسية، بما في ذلك التهديد بأفعال من هذا القبيل أو القسر أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء حدث ذلك في الحياة العامة أو الخاصة.”

ويعدّ عنفا ضد النساء كل ما يرتبط بأنماط العنف التي تندرج ضمن المضايقات الجنسية ومن بين أشكاله الاغتصاب والأفعال الجنسية القسرية، والتحرش الجنسي غير المرغوب فيه والاعتداء الجنسي على الأطفال والتحرش في الشوارع، وكذلك الملاحقة والمضايقة الإلكترونية التي تصاعدت بمفعول انتشار تقنيات الاتصال الحديثة.

وأظهر استطلاع للرأي أجراه معهد “إيفوب” بتكليف من مؤسسة جان جوريه في باريس شمل عدة دول مختلفة أن النساء يتعرضن كثيرا للإيذاء الجنسي في الشوارع، وأن واحدة من بين كل امرأتين في الولايات المتحدة تعرضت لإشارات جنسية مؤذية أو إهانات، مقابل 43 بالمئة من النساء في بريطانيا و40 بالمئة في إسبانيا. كما تبيّن أن أكثر من ثلث النساء يتعرضن ذات مرة للملاحقة الجنسية في الشوارع، في كل من ألمانيا وفرنسا وإسبانيا والولايات المتحدة.

وبحسب الدراسات العالمية التي تخص العنف والمضايقات الجنسية، فإنه من أكثر الممارسات العنيفة ضد النساء انتشارا وهو في ذات الوقت أحد أكثر أنواع العنف التي تؤثر بشكل كبير في صحة ونفسية الضحية غير أنه، ومن المفارقات، يظل النوع الذي يجابه في الكثير من الحالات بالصمت من طرف الضحايا ومحيطهم الأسري بسبب الإحساس بالفضيحة ووصمة العار المحيطة به خصوصا في المجتمعات المحافظة مثل المجتمعات العربية المسلمة.

كما يعد زواج الأطفال والزواج القسري خصوصا بالنسبة للقاصرات من بين أنواع العنف المنتشرة في الدول التي لم تعتمد قوانين تحدد عمرا أدنى للزواج أو تلك التي وضعت مثل هذه التشريعات دون اعتماد الصرامة في تطبيق العقوبات على المخالفين من الآباء أو أولياء الأمور الذين يزوجون بناتهم دون السن المحددة قانونيا. وبحسب الأرقام، فقد تم تزويج حوالي 750 مليون امرأة وفتاة على قيد الحياة اليوم في جميع أنحاء العالم قبل بلوغهن سن  الـ18.

ويصنّف الاتجار بالبشر، سواء من خلال ممارسات العبودية أو الاستغلال الجنسي، كأحد أنواع العنف ضد النساء، إذ تمثل النساء والفتيات 71 بالمئة من جميع ضحايا الاتجار بالبشر في العالم، وتكشف الإحصائيات أن 3 من أصل 4 من هؤلاء النساء والفتيات يتعرضن للاستغلال الجنسي.

أما تشويه الأعضاء التناسلية خصوصا في الدول التي مازالت تسود فيها عادات ختان الإناث، فقد خضعت 200 مليون امرأة وفتاة لتشويه أعضائهن التناسلية بسبب عادات ختان الإناث بحسب إحصائيات الأمم المتحدة.

العنف

وشبّهت المنظمة العنف ضد المرأة بالسرطان واعتبرته سببا جوهريا للوفاة والعجز لدى النساء في سن الإنجاب، وهو ما أثبتته العديد من البحوث حول التأثير السلبي للعنف بأنواعه على النساء والفتيات كونه يضر بصحة النساء النفسية والجنسية والإنجابية في جميع مراحل الحياة، ومثلا لا تمثل سلبيات انعدام التعليم المبكر العائق الرئيسي لحق الفتيات في التعليم وتعميمه فقط بل في النهاية تقيّد الوصول إلى التعليم العالي وتؤدي بالتالي إلى محدودية خلق فرص الشغل للمرأة داخل سوق العمل.

ويشكل العنف حاجزا أمام استيفاء الحقوق الإنسانية للمرأة والفتاة في سبيل تحقيق المساواة في جميع مناحي الحياة وفي كل المجالات، وهذا الحاجز لا يقتصر على دول العالم النامي أو الدول العربية بل هو ظاهرة دولية تحاول الحكومات في العالم تبني سياسات واستراتيجيات تستهدف الحد منه ومن تأثيراته التي ثبت علميا وحسابيا أنها تتجاوز المرأة والمساس بحقوقها ومكتسباتها إلى عائق أمام التنمية وتحقيق النهضة والسلام في العالم.

وتعمل الدول العربية من جانبها، لكن بجهود متفاوتة، على مجابهة جميع أنماط العنف ضد المرأة الذي يجد في الثقافة السائدة بنظرتها الدونية للمرأة أرضية ملائمة للانتشار والاستمرار، حيث تشرّع العقلية الذكورية والعادات والتقاليد والمعتقدات المحافظة والمتشددة دينيا للاعتداء على حقوق النساء وتزويجهن  وتبرّر الاعتداء اللفظي والمادي ليس فقط في الفضاء الأسري بل أيضا في الفضاء العام.

وكشفت دراسة للأمم المتحدة حول التحرش في المغرب أن أكثر من 60 بالمئة من الرجال يرون أن التحرش “مشروع” في حال كانت ملابس المرأة “مثيرة”، فيما ترى 78 بالمئة من النساء أن المرأة نفسها مسؤولة عن هذه التصرفات. ولا تختلف بقية المجتمعات العربية مع هذه الأفكار بل إن العديد من البحوث الاجتماعية أكدت أن بعض النساء العربيات يبرّرن العنف ضد النساء والتحرش وغيرهما من الاعتداءات، وبالتالي يشكلن بدورهن عائقا في طريق مناهضة العنف ضد المرأة.

العنف

وتنتظم على مدار السنة وفي جميع المناسبات الدولية والمحلية ذات العلاقة بالمرأة تظاهرات وفعاليات تمرر من خلالها رسائل لدعم حقوق المرأة والحد من مظاهر الاعتداء والإيذاء التي تلحق بها في محاولة لغرس ثقافة الدفاع عن النفس عند النساء أولا وتشجيعهن ودعمهن في مجال مواجهة العنف والتبليغ عنه ورفضه والتخلي عن الصمت والإحساس بالعار، وثانيا سعيا لبث الوعي لدى جميع الفئات الاجتماعية بخطورة الاعتداء على النساء.

ورفعت العديد من الفعاليات المناهضة للعنف والتحرش والاعتداء الجنسي في العديد من الدول العربية مثل تونس ومصر والمغرب شعارات تحثّ النساء على كسر حاجز الصمت مثل حملة “ما سكتاش” مؤخرا في المغرب التي دعت النساء إلى فضح المعتدين ومواجهة العادات الاجتماعية والمطالبة بحقوقهن.

كما وضعت العديد من الدول العربية تشريعات وقوانين تجرّم الاعتداء على النساء وتنص على عقوبات قاسية ضد المعتدين تصل إلى الحبس لسنوات مثل قانون مناهضة العنف ضد النساء الذي تمت المصادقة عليه في تونس في شهر يوليو 2017.

وأطلقت منظمة الأمم المتحدة بمناسبة اليوم الدولي لمناهضة العنف ضد المرأة لهذا العام حملة دولية تحت شعار ”16 يوما من النشاط لمناهضة العنف ضد المرأة” ابتداء من الأحد 25 نوفمبر إلى غاية 10 ديسمبر الذي يوافق اليوم العالمي لحقوق الإنسان، تحت شعار “العالم البرتقالي #اسمعني كذلك”.

21