اسم الكاتب

الأربعاء 2014/07/09

بين الكاتب واسمه ما بين البياض واللون، صدفة، وقدر، وتلاحم أبدي، تشوّف دائم إلى التطابق، وأوهام والتباسات دون منتهى؛ البياض صمت وسكون وفراغ يوحي بالعدم، كالوجود الجسدي الغفل. بينما اللون كلام وكشف، والاسم بروز وامتلاء ومعنى ظاهر.

بين الكاتب واسمه دفقات فرح، وولع مجنون، وبينهما لعنة جبر، ولوعة خضوع لأهواء الغير. حين يولد الطفل (الكاتب) يمنحه أبواه اسما، يرسمانه وجها بالكلمات، وحين تينع بنات أفكاره على الورق، يولد اسم آخر من حروف. يغدو المسمى كائنين منفصلين؛ الأول من لحم ودم، والثاني من حبر وبياض، الأول من حقيقة والثاني من خيال، وينتسب أحدهما إلى المكان والمجتمع، وينتمي الآخر إلى التاريخ والذاكرة.

لذا قد تكون أكبر نائبة يبتلى بها كاتب، أن لا يمتلك اسمه، أن ينازعه فيه آخرون، قد يكونون لحسن الحظ أناسا مغمورين، لن يربكوا يوما حسابات القراء في ربط النصوص بالمؤلفين وحياتهم الخاصة والعامة، ولن يشوشوا أواصر النسب والانتماء والملكية.

أخذتني بعض هذه الالتباسات التي لا تخلو من طرافة إلى تقليد قديم، كان فيه المؤلف العربي لا يحفل كثيرا بوقع الاسم الأصلي، ساعيا جهد إمكانه إلى استبعاده من دائرة الانتشار واللمعان، وتبخيسه لحساب الكنـى والألقاب، ذات المنحى الوصفي الذام أو المادح؛ فلا يكاد يغفل مؤرخ للأدب، أو كاتب تراجم، من القدماء، عن ذكر لقب أديب، وتعليل ذلك الوصف الذي بات بديلا لاسم الكاتب؛ بل إنك لا تكاد تعثر على ديوان أو رسالة أو مصنف في أحد ألوان القول التراثي إلا وتجده ممهورا بلقب أو كنية. كم من القراء اليوم يعرفون الأسماء الأصلية للجاحظ وأبي نواس والأعشى والخنساء والأخطل والحطيئة وأبي العتاهية..؟. من هنا أجدني متعاطفا أشدّ التعاطف مع ذلك السلوك الأدبي الذي ينحو إلى اختيار اسم قناع، ونحته بذوق ومحبة، وجعله تميمة للجسد الورقي، ما دام الأول قد اصطفي -من قبل الغير- للتعريف والوسم ودرء الالتباس.

هكذا أتمثل الاسم المستعار بوصفه مجاوزة لمبدإ الضرورة، وتمجيدا للحرية، التي هي شرط الكتابة وسداها، لذا حين أعيد التأمل في أسماء: مهدي عامل ويمنى العيد وسميرة بنت الجزيرة العربية وفدوى مالطي دوغلاس ويوسف شاهين ورفيقة الطبيعة… وغيرها من الأسماء، أتأكد مجددا أنها استعيرت بهدف تمجيد وعي الذات العميقة، للدلالة على تعبيرات خاصة، وإضمار رسالة ملغزة لا تلبث أن تتعرّى كثافتها في المتون المكتوبة. كما أعتقد أن هذه الأسماء المستعارة لا يمكن أن تنتمي إلى المجال الدنيوي وإنما إلى الأفق المعنوي للكتابة، وأنها وضعت للتفكير في ذات الكاتب من حيث هي وجود افتراضي مستقل، وإمكانية فعل منـزاح عن التباسات المجال الاجتماعي.


كاتب من المغرب

15