"اسم الوردة" رائعة إيكو التي لا تزال تدهش قراءها

رواية "اسم الوردة" يتردد صداها في مختلف الفنون والاستلهامات فإلى جانب الشريط السينمائي الشهير تحولت الرواية إلى مسرحية ثم إلى دراما إذاعية.
السبت 2021/04/03
اسم الوردة في إنتاج غنائي على المسرح الألماني

هي رواية ليست اعتيادية في شيء، حتى يحتار الناس في تصنيفها بين البوليسي والتاريخي والفلسفي، لكنها تبقى بلا شك واحدة من الألغاز الروائية، ويبدأ سحرها من العنوان لينتهي إلى آخر جملة فيها “كل الأشياء تندثر ولا يبقى منها إلا الأسماء”.

المفكر وعالم الدلالات الإيطالي أمبرتو إيكو كتب في خطاب وجهه إلى حفيده قبل وفاته: حفيدي العزيز، احفظ عن ظهر قلب قصائد الشعر، وقائع التاريخ كتاريخ الإمبراطورية الرومانية.. وحتى أسماء الشخصيات الثانوية في رائع الأدب كرواية ألكسندر دوما “الفرسان الثلاثة”، لأن الإنترنت لا يمكن أن يحل محل المعرفة، كما أن أجهزة الكمبيوتر لا يمكن أن تحل محل أدمغتنا.

“كل الأشياء تندثر ولا يبقى منها إلا الأسماء” عبارة قالها المفكر الإيطالي إيكو على لسان شخصية الراهب ويليام في روايته الشهيرة “اسم الوردة” التي صدرت عام 1980، ولا تزال تشغل القراء والنقاد والدارسين، وكذلك عشاق السينما الذين استمتعوا بها عام 1986 كفيلم سينمائي شديد الإثارة والإدهاش من بطولة شون كونري وكريستين سلاتر، وإخراج الفرنسي جان جاك أناود.

سردية متدفقة

☚ الرواية تبدو كما لو أنها واحد من تلك الأناجيل المفسرة والمرافقة لسيرة المسيح وأقواله وتبحث في مسألة الفقر والغنى

أن يضطر كاتب لتأليف كتاب يتحدث عن كتابه السابق، أمر ينبغي التوقف عنده والانتباه إليه.. هذا ما فعله إيكو بعد ثلاث سنوات من صدور روايته في كتابه المعنون “تأملات في اسم الوردة” فما سر هذه الرواية الملغزة إلى حد الإرباك لهول ما تحتويه من طلاسم يصعب حلها؟ ومن يكون صاحبها الذي اقترن اسمه باسم الوردة فكأنه لم يكتب غيرها، وكأن روايته ضرب من “ألف ليلة وليلة” التي لا شك أنه اطلع عليها وانبهر بالسردية المتدفقة فيها، حتى اتهم بالاقتباس منها، خصوصا في “مغامرة رأس المملوك جابر” التي أعدها للمسرح الكاتب السوري الراحل سعدالله ونوس.

أمبرتو إيكو، وللقلة القليلة التي لا تزال تجهله، هو أستاذ جامعي وفيلسوف إيطالي من مواليد عام 1932 وحاصل على الدكتوراه في الفلسفة عام 1954، ناقد أدبي وروائي وباحث في تاريخ العصور الوسطى وأستاذ في علم السيميولوجيا وهو علم يبحث في الدلالات والرموز والتأويل وتفسير الواقع الذهني والمادي والمعنوي لفهم الدلالات.

توفي إيكو عام 2016 بعد مسيرة حياتية وإبداعية تليق بالإيطالي المتزوج من ألمانية والمشتغل بالإذاعة الفرنسية، والمتخصص في فلسفة توما الأكويني والعصور الوسطى، علاوة على أنه كان صديقا لأشهر الفنانين والرسامين.

تدور الأحداث في أحد أديرة الشمال الإيطالي عام 1327 أي في العصور الوسطى، وما تعنيه هذه الحقبة من محاكم تفتيش وصراعات شرسة حول السلطة بين الكنيسة وخصومها السياسيين، فالطوائف المسيحية كانت في حالة اقتتال للوصول لمقعد البابا، والبابا يحارب من أجل استمرار سيطرته على الإقطاعيات التي يحكمها بشكل مباشر سواء أراض أو مدن، والصراعات بين أمراء المقاطعات الإيطالية أو بينهم وبين أمراء البلاد الأخرى وملوكها كألمانيا وفرنسا وإيطاليا.

العرب بدورهم كان لهم حضورهم في الرواية عبر أسفار تتحدث عنهم في مكتبة الدير المغلقة على نفسها، وهم سادة المعرفة آنذاك بحسب وصف الراوي الذي كان مفتونا بكتابات ابن سينا وابن الهيثم وابن مقلة، ومطنبا في الحديث عن حضارة بغداد والقاهرة، ولكن كل ذلك كان يلفه الغموض حين يتطرق إلى التكلم عن مكتبة الدير الذي يموت في كل مرة واحد من رهبانه وفي ظروف غامضة.

تبدأ الرواية بوصول الراهب ويليام باسكرفيل وتلميذه أدزو (راوي أحداث الرواية) لدير على الأطراف الشمالية لإيطاليا، فقد حدثت للتو جريمة قتل غامضة يتوقف لديها الجميع، ويعلم بأمرها ويليام ويحاول فك لغزها، الراهب ويليام والضيف على الدير في تلك الأحداث رجل حاد الذكاء، سريع البديهة، ومحقق سابق بمحاكم التفتيش، اضطر للتخلي عن منصبه بعدما رأى كيف أن المحكمة توجه اتهامات بالهرطقة طالته هو نفسه.

وفاء هلال: الرواية ليست من الروايات التي تقدم كل شيء بسهولة

تظهر الأحداث على شكل حبكة بوليسية شديدة التعقيد والإثارة، ففي كل مرة يُقتل ناسك في ذلك الدير المليء بالألغاز والأحاجي، لكن هذا ليس إلا ذريعة لعرض فكر فلسفي موغل في البحث والتنبه لأدق القضايا الوجودية الممتدة منذ عصر الإغريق الذي احتد فيه النقاش حول علاقة المثقف بالسلطة من خلال نموذجي أرسطو الحريص على النظام الاجتماعي والسياسي من جهة، وديوجين الذي يزدري السلطة، من جهة أخرى. ويظهر هذا السجال في رواية “اسم الوردة” عبر قول الراهب ويليام المحقق في الأحداث لتابعه، راوي تلك الأحداث “أين حكمتي؟ لقد تصرفت كما يتصرف رجل عنيد متبعا شبح النظام، بينما كان ينبغي أن أعرف أنه لا يوجد نظام”، وذلك في عبارة تختزل الكثير من الأمور التي كانت في غير محلها والأحداث غير المنطقية في فك اللغز المعقد.

ما يظنه الجميع داخل الدير الذي تهزه في كل مرة جريمة قتل مرعبة هو أن روحا شريرة تسكن جدرانه وتنفذ جريمتها في شيء يشبه النبوءة التي تتحقق وتنكشف فصولها شيئا فشيئا، ولمدة سبعة أيام بنهاراتها ولياليها، لكن الحقيقة شيء آخر يتعلق بالطبيعة البشرية القادرة على صناعة الألغاز بمهارة تفوق الشياطين.

وقد يبدو الأمر كذلك في ظل متابعة وقائع وأحداث تفضي إلى حقائق تتضح معرفيا، لكن الأمر معقد إلى درجة استدعاء الأسطورة والتعامل معها على أنها حقيقة تتضمن أسرارا مثل جسم الوردة الذي تخفي كل ورقة منها ورقة تأتي بعدها في متاهة لا تنتهي.

وعلى ذكر الوردة، فإن لا وجود لوردة في “اسم الوردة” ولا من يحزنون، وإنما هي إشارة خفية إلى ذلك السر الذي يقع تهريبه من عالم مغلق على نفسه مثل ورقات وردة بين صفحات كتاب.

لا نملك إلا الأسماء

عماد قيدة: عبقرية إيكو تكمن في قدرته على تناول احتمالات لانهائية

يقول إيكو، موضحا، وحين شرع في كتابة تلك الرواية التي تبدو بوليسية الطابع، وكان يتحتم عليه اختيار اسم لها “بداية كنت سأطلق عليها دير الجريمة، لكن وجدته عنوانا مستهلكا ومباشرا فقررت أن أجعل عنوانها محايدا يحمل عدة دلالات”.

هناك عدة إشارات وعلامات يستنير بها النقاد والدارسون، منها أن أحد أبيات الشعر في القرن الثاني عشر يقول “الأشياء الصغيرة هي التي تنجح، كانت الورقة اسما ونحن لا نملك إلا الأسماء”، فالاسم هو ما يستمر بعد انتهاء الأشياء واندثارها. البعض يذهب إلى أن الوردة هي المكتبة، فلفائف الوردة عادة تشبه المتاهة، وكذلك المكتبة في الدير، فما يميزها أنها متاهة وتحتضن كمّا هائلا من الألغاز بما فيها اللغة العربية التي كانت شرطا أساسيا يُلزم جميع النساخين بإتقانها في مكتبة الدير.

والبعض يذهب في تفسير لغز التسمية في الرواية للأسطورة القديمة التي تحكي عن يوم وحيد من أيام العام يُفتح فيه الباب بين عالمي الأحياء والأموات، يذهب الأحياء ليلتقوا بمحبيهم وأهلهم ويعودون شريطة ألا يأخذ أحد منهم أي شيء من عالم الأموات، وفي إحدى المرات، وبتصرف أهوج، أخذ كائن بشري وردة معه، فأُغلق الباب للأبد ولم يُفتح ثانية، وذلك على شكل لعنة أو عقوبة إلهية تشبه سفر النزول.

ويخلص الراهب ويليام، المحقق في جرائم القتل، إلى مجموعة تأملات جاءت على شكل إشراقات يقولها لمساعده الراوي كقوله “إن حياة العامة لا يضيئها نور المعرفة، ولا يقودها إدراك الفارق الذي يجعل منا نحن عقلاء ويرهقها هاجس المرض والفقر الذي يجيد التعبير عن طريق الجهل، غالبا ما يكون الانتماء بالنسبة إلى الكثير منهم وسيلة فقط مثل غيرها للتعبير عن اليأس”.

رواية “اسم الوردة” تبدو كما لو أنها واحد من تلك الأناجيل المفسرة والمرافقة لسيرة المسيح وأقواله، كما أنها تطرح الموضوع الطبقي على المحك وتبحث في مسألة الفقر والغنى فمع تتبع سير الأحداث وجرائم القتل المتسلسلة يبدو الأمر وكأنه نبوءة تتحقق، وكل ما يحدث عبارة عن آيات، من سفر يوحنا، متتالية في العهد القديم تثبت نفسها بنفسها مع اكتشاف جثة كل راهب ميت. الدير في وصف الراوي ليس أكثر الأماكن إيمانا، يضج المكان بالفواحش والرذائل أكثر مما يملأه الإيمان، الدير وإن كان يبدو صامتا هادئا إلا أن للنظرات المترقبة ضجيجا عاليا لا ينافسه إلا صخب الهمس والهمهمات في الأروقة تتساءل عما سيحدث تاليا، وعمَن؟ ومتى؟ ولماذا؟

وعن دوافعه وراء كتابة روايته يقول إيكو “كانت لدي الرغبة في تسميم راهب”، وأضاف معلقا على جملة تفاصيل ترتبط بحيثيات كتابة الرواية “أبدى الناشر رغبته في رواية بوليسية، لكن الرواية البوليسية رواية تعتمد على تحقيقات بينما روايتي تعتمد على دلالات وهذا ما يجعلني سعيدا بما أنجزته”. والحقيقة أن المناظرة بين الرهبان كما تبدو في الرواية، كان أساسها الحديث عن وضعية الكنيسة، وهل من الصحيح أن تبلغ أملاكها كأملاك الملوك والأباطرة؟ وهل يحق لرجال الدين اكتناز الأموال وصرفها ببذخ؟ أم أن على الكنيسة أن تكون فقيرة كما بدأت؟

المكتبة اللغز

العرب كان لهم حضورهم  في الرواية عبر أسفار تتحدث عنهم في مكتبة الدير المغلقة على نفسها فهم سادة المعرفة آنذاك
العرب كان لهم حضورهم  في الرواية عبر أسفار تتحدث عنهم في مكتبة الدير المغلقة على نفسها فهم سادة المعرفة آنذاك

هنا يقول صاحب “اسم الوردة” مستدركا “ولكن القضية ليست إن كان المسيح فقيرا ولكن إن كان يجب أن تكون الكنيسة فقيرة”.

وتأخذ المكتبة في الرواية حيزا كبيرا بل ورئيسيا في جملة الأحداث الغامضة والمتعاقبة، كيف لا وبطل الرواية كتاب مسموم في بعديه الدلالي والمادي، وللاتقاء منه كان لزوما على الراهب أن يمسكه بقفازات.

المكتبة في “اسم الوردة” متاهة تذكّر بأسرار الفراعنة وقصة المهندس وإمبراطور آشور في الرواية البابلية، ذلك أنها صممت بعناية واحتراف شديدين، لا يدخلها ويخرج منها إلا من يعرفها جيدا، يتولاها أمين يحضر الكتب منها بنفسه وبعد موافقة كبير الرهبان، وهي مغلقة في وجه الزوار والعُباد في الدير على حد السواء.

وتحمل هذه المكتبة اللغز في داخلها ما لم يود كبير الرهبان أن يكتشفه غيره أو يعرفه ليكون مصير كل من ينال “المعرفة” الموت ودفن معرفته معه، تخبئ المكتبة الحقيقة وتحملها في ذاتها لأن بطل الرواية الفعلي هو كتاب.. وهنا يبدع السيميولوجي  إيكو في نحت شخصية من نوع فريد وخاص، وكذلك القول إن المعرفة قاتلة.. ألا يشبه الأمر قصة ذلك المملوك الذي وُشمت على رأسه رسالة، وكان لزوما على من يتلقاها أن يقطع رأس حاملها بعد قراءتها، وذلك في قصة آسرة تنضح بها “ألف ليلة وليلة”.

وفي استعراض تفصيلي من إيكو، لاطلاعه على تراث الشرق الساحر، يقول على لسان شخصية الراهب الفرنسيسكاني “أعرف أن ديركم يعد نور المعرفة الوحيد الذي تقدر المسيحية أن تضاهي به مكتبات بغداد الـ36 و10 آلاف مخطوطة التي يملكها الوزير ابن علقمة، وكتبكم المقدسة تعادل 2400 مصحف تتباها بها القاهرة وحقيقة خزائنكم هي البرهان الساطع ضد الكافرين”. ويسوق الراهب ويليام ملاحظته في الرواية مشيرا إلى وجود قرآن بالمكتبة “من الزخرفة يبدو أنه قرآن، ولكن للأسف لا أعرف العربية”.

هي رواية ليست اعتيادية في شيء، تشد القارئ في ما يزيد عن 500 صفحة بقليل، وبحسب جميع الطبعات التي تزيد عن 80 لغة. ويذكر أن ناشر الرواية طلب من إيكو حذف الـ100 صفحة الأولى كاملة بسبب إسهابها الشديد، لكنه رفض معللا ذلك برغبته في اختبار ذكاء القارئ وقدرته على التحليل.

المكتبة في “اسم الوردة” متاهة تذكّر بأسرار الفراعنة وقصة المهندس وإمبراطور آشور في الرواية البابلية، ذلك أنها صممت بعناية واحتراف شديدين، لا يدخلها ويخرج منها إلا من يعرفها

يدهشك إيكو بالتفاصيل وذكر أدق الأمكنة والمتاهات، حتى يخطر ببالك أنك مضطر لتسجيل أسماء الممرات والمتاهات في دير الرهبان لتعيد تذكرها، ذلك أنها رواية تحتاج إلى تركيز ولا شيء غير التركيز.

وتقول الناقدة وفاء هلال" تلك الرواية ليست من الروايات الاعتيادية التي تقدم للقارئ كل شيء بسهولة، لا.. إنها تتطلب منك كل التركيز والذكاء والاهتمام من أجل أن تفهمها وتستوعب أحداثها وتفاصيلها".

وتضيف هلال “النقاشات بين الرهبان والمحادثات بين ويليام وإدسو والربط بين محاورها كمحور الجريمة ومحور نقاشات الرهبان اللاهوتية، ربما تحتاج أيضا لدفتر وأقلام لتسجيل الأسماء وطرقات الدير ومتاهات المكتبة من أجل مساعدتك على التخيل والاستنتاج”.

ويقول الكاتب التونسي عماد قيدة عن صاحب “اسم الوردة” “تكمن عبقرية إيكو وخطورته في قدرته على تناول أحد هذه الاحتمالات اللانهائية والعمل والبناء عليها بصبر وصنعة كبيرين فنراه يأبى أن يتركها إلا وقد صارت أكثر واقعية وكثافة وقابلية للتسويق والإقناع بصحة حدوثها”.

“اسم الوردة” رواية يتردد صداها في مختلف الفنون والاستلهامات، فإلى جانب الشريط السينمائي الشهير عام 1986 للمخرج الفرنسي جان جاك أنو، تحولت الرواية في عام 1998 إلى مسرحية للمخرج غريغور غونتا، وفي عام 2006 تحولت إلى دراما إذاعية لكريس دولان.

وفي عام 1996 أطلقت فرقة الروك البريطانية “تن” اسم الرواية على ألبومها الموسيقي الصادر في ذات العام. أما في مجال ألعاب الفيديو فقد صدرت 4 ألعاب مستندة إلى الرواية، “دير الجريمة” 1987، وتم تطويرها في عام 2016. (نومن روساي) 1988، (مغامرات سلوفاكية) 1993 و(جريمة في دير) 2008.

16