"اسم حصان المتنبي لا أكثر ولا أقل"

السنّ الذي تفقده هو كالصديق.. تتألم عليه لفترة ثم يزول ألمه وتنساه.. ولكن يبقى ذاك الفراغ ذكرى لا تنسى.
الثلاثاء 2021/08/03
قراءات متعددة للمشهد الواحد

كثيرا ما وقف عشاق الفن التشكيلي مذهولين أمام لوحة عُلقت بالغلط، مقلوبة على الجدار أو صنعتها علبة ألوان اندلقت بالمصادفة فوق القماش. ولطالما أبدى نقاد الشعر الحديث اندهاشهم من عبقرية “قصيدة” رُكّبت بطريقة “القص لصق” أو قالها صاحبها بقصد المشاكسة واختبار ألمعية النقاد الأشاوس.

كثرة التأويلات وتعدد القراءات للمشهد الواحد دونما سبب أو موجب، تمسي أحيانا، ضربا من الفذلكة اللغوية، ولزوما لما لا يلزم.

وبسبب هذه المتاهة الذوقية، تفطّن نقاد ماكرون ـ ومزيفون كذلك ـ إلى ضرورة كبح الخيال الجامح وفرملة التأويل المشط فذهبوا عكس كل الرموز والاستعارات، وارتبطوا بالنص في بعده الظاهري وليس التطرق إلى مكنونه الباطني.

أصبح المتنبي، في نظر هؤلاء، لا يقصد من خلال بيته الشهير “قلق كأن الريح تحتي” سوى حصانه المسمى “ريح”.. نعم، إن أبا الطيب كان يشعر بالقلق حين يكون على صهوة “ريح”.. لا أكثر ولا أقل.

أما “العصفورية” التي هي كناية عن مستشفى الأمراض النفسية والعقلية في سوريا ولبنان، فلا يغرنك ما يوحي بها اسمها من حرية في التغريد والطيران، ولا يطربنك صوت صباح في الفيلم “عالعصفورية”، إذ أنها مجرد مكان تكثر فيه العصافير وبُني على تلته ذلك البيمارستان الشهير، كما أخبرني صديقي الدكتور الشاعر الذي كان يعمل في المستشفى، وأصبح الآن في “عصفورية” ألمانية لا تكثر فيها العصافير.

“أبوزعبل” بدوره، وقبل أن يصبح سجنا ذائع الصيت، فإن تسميته تعود إلى نوع من شجر القطن في القليوبية المصرية، لكن “أبوغريب” العراقي ينسب لاسم المدينة الواقعة غرب بغداد، وتستوطن فيها عشائر عُرفت بالألفة وحسن المعشر، لكن الاحتلال الأميركي جعل نزلاءه من أغرب الغرباء.

التأويل يمضي بنا بعيدا نحو الحلم.. وكذلك الهاوية أحيانا، أمّا الالتزام بظاهر النص المكتوب والمنطوق والمعروض، فيلجم من خيالنا، لكنه يجعل أقدامنا ثابتة على الأرض، ويجنبنا مشقة الجدل العقيم كذلك الطفل الذي سأل جده: هل عندك أسنان يا جدي؟

تبسّم الجد وأخذ نفساً عميقاً ثم قال: يا بني هذه الحياة علمتني الكثير بالرغم من قصرها .مثل الأسنان كمثل الأصدقاء من حولنا .هم معك دائماً ويساعدونك تارة ويؤلمونك تارة أخرى. وعليك أن تحافظ عليهم لينفعوك.

من يجرحك منهم ترى فيه تسوساً، ومن يحبك تجده ناصع البياض كقلبه.

والسنّ الذي تفقده هو كالصديق.. تتألم عليه لفترة ثم يزول ألمه وتنساه.. ولكن يبقى ذاك الفراغ ذكرى لا تنسى.

ولقد فقدت يا بني كل أسناني كما ترى.

ولكن لماذا تسأل؟“ ثم صمت الجد قليلا وسأل الطفل”.

 قال الطفل: لا.. أريد فقط ترك كيس المكسرات هذا عندك إلى حين أرجع.

24