اسم رجالي مستعار

الأحد 2015/02/01
حدس المرأة يستشعر الأخطار قبل وقوعها

المشاركة الحثيثة للمرأة في كافة أوجه الكتابة وموضوعاتها لاتزال تعمل على نفي نظرية الأدب النسوي وفصله عن الأدب الرجالي، طالما لم يخلق الأدب الرجالي لنفسه هوية مستقلة يوماً، ففي ظل غياب المصطلح من الطبيعي أن يذوب الأدب النسائي مع ذوبان أدعيائه الذين أعيتهم فكرة الفصل والتصنيف. مثال على ذلك أعمال رجاء عالم وتحديداً روايتها الفائزة بالبوكر «طوق الحمام» ليست أدباً نسوياً لكنّ الرجل لا يتقبلها خارج هذا الإطار.

نظراً لقلة الدراسات المنصفة لأعمال المرأة الإبداعية، لا يمكن تحديد نمطية واضحة للمرحلة في الوقت الراهن، خاصة وأن أحوال الانتفاضات ذاتها لم تستقر بعد على شكل العالم الجديد، فكل يوم نحن في شأن! يجب أن ننتظر عشرات السنين قبل أن نقرر جودة أدب المرأة – أو الرجل- في تناول التحولات المعاصرة.

حين تحاول بعض القوى حصر أعمال المرأة في تصنيفات محددة، من الضروري ألاّ ترضخ للضغط المجتمعي العام الذي يحدّ من إبداعها، فالمرأة الكاتبة ترصد وتتابع وتملك قدرات خاصة للتحليل والابتكار والتخيل تمكنّها من خلق أجواء ساحرة لأعمال تُكتب لها الديمومة، لتدع الرواية أو الإبداع يتخلق من نفسه ولنفسه دون تردد أو ذعر من الرقيب الخارجي والداخلي، أو من اختيار موقفها المستقل من الشعارات والتيارات الرائجة. فالمرأة الكاتبة قادرة على تمييز الطريق وعدم اللحاق بالركب لمجرد اتّباع السائد.

***

حدس المرأة يستشعر الأخطار قبل وقوعها ناهيك عن المرأة الكاتبة، ولكن يجب التفريق بين الكاتبات في الدول التي وقعت فيها أحداث ذات صلة بثورة أو انتفاضة شعب، حيث وجدت المرأة نفسها، في وسط “المعمعة”، مضطرة للانتخاب والترشيح، رغم توافقها مع تركيبة بلدها وقد تكيفت مع أيديولوجياتها وقوانينها لردح من الزمن، والكاتبات في الأوطان العربية التي لم تتعرض لاضطرابات الثورات العربية وآثارها البشعة على الناس.

حين يكتب الرجل عن الحب -مثلاً- تحاط أعماله بالشرف والتجاوب بينما تعدّ كتابة المرأة عن الحب انتقاصاً ومحدودية في التفكير

الكاتبات العربيات، حالهن كحال الكتاب لسن مطالبات بقراءة الطالع ولا كتابة قصص خرافية تصورية عما سيؤول إليه المستقبل، لكنهن وجدن أنفسهن جزءاً من المشاركة العامة لعبور الجسور المحروقة والأراض الخربة إلى برّ الأمان، وفي هذا مؤشر إلى أن الكاتبة العربية تناضل لرفع مستوى الخطاب المتداول إلى مرتبات عليا من الوعي، والأدوار الفاعلة في نصرة كينونة الوطن بأكمله، عوضاً عن المراوحة في منطقة المطالبة بأبسط الحقوق.

من الصعب القول، الآن، إن حركات النقد النسوية تتسق، تماماً، مع نوعية الخطابات التي تفرض وجودها على الساحة، بل لسنا في حاجة لها في المرحلة الراهنة. في الواقع نحن في حاجة ماسة وملحة لاختيار المنجز النوعي وتحديد ملامحه وفرضه بقوة الإبداع.

الفرصة سانحة، مجتمعياً وأدبياً وثقافياً، لاستقبال أعمال تحمل رؤى مختلفة في خضم الاضطراب الذي تعيشه البلاد وتمر به الدساتير، من الطبيعي أن يقول الأدب كلمته، الآن، أو على الأقل يوعز بها، كما أن التحليل السياسي ليس محله نشرات الأخبار فقط، فالساحة الأدبية تتوق لأعمال تحكي عن الثورات من منظور بعيد عن الإعلام المغرض أو الإعلام المؤدلج، وبالفعل قرأت أعمالاً مصرية -مثلاً- مرّت على ذكر الثورة المصرية مروراً مرتبكاً بالرغم من كونها في قلب الحدث.
تخطيط ساي سرحان

حين يكتب الرجل عن الحب -مثلاً- تحاط أعماله بالشرف والتجاوب بينما تعدّ كتابة المرأة عن الحب انتقاصاً ومحدودية في التفكير. فكما أن الموضوعات النسائية لم تعد حكراً على المرأة وحدها، فالشأن السياسي ليس وقفاً على الرجل، فهو يتحكم بمجمل معطيات الحياة ويشكل همّا للكاتبة، ومن البديهي أن تبعاته الاجتماعية والثقافية تنعكس على علاقتها بالآخر، سواء كان امرأة أو رجلاً، بالإضافة إلى التغيّرات المتسارعة في خريطة الأماكن والحنين إلى ماض سحيق وعذابات ناجمة عن تبدل القيم واضطراب فرص العمل والبطالة وسلطة القبيلة والجماعة وتحديات الأنظمة والقوانين الرجعية، وأمراض نفسية شتى يعيشها العربي في كل مكان، كل هذا يشكل هموما للكاتبة ويحتل مساحة من كتاباتها. إذا استطعنا الفصل بين ما هو كائن وما سيكون، أعتقد أن الكاتبة تعيش حريتها المحرّمة عليها في الواقع داخل النص/الجسد، وبالتالي يجب ألا تقبل الكاتبة من يمثلها إلا قلمها الذي به تنطلق إلى خلق أفق جديد يجبر العالم على احترام كيانها، من خلال تمثل مبادئها الخاصة دون تابعية لأيّ طرف من الأطراف، وذلك يتأتى من خلال الفكر الحر فحسب.

***

هناك إشكاليات، دائمة، لدى تناول القارئ العربي والناقد المثقف للأعمال النسائية، حيث تجده يصنف العمل، فوراً، على أنه أنثوي بامتياز! فماذا يعني ذلك سوى تردّي النظرة الجادة نحو فكر المرأة وإبداعها، متناسين زمناً كان يتخفّى فيه بعض الشعراء الرجال خلف أسماء نسائية. الرجل أيضاً يكتب نصاً أنثوياً مفعماً بالوجدانيات والتأمل، حتى بتّ أفكر في مدى إمكان الكتابة خلف اسم رجالي مستعار لأحظى بالحيادية!

حين تدرك المرأة أن الكرامة هبة إلهية لا تُمنح لها كفضل من أحد ستتغير لغة خطابها واتجاهها في التعاطي مع الرجل وما يحيط به من قدسية مكتسبة إلى التكامل وليس النديّة. والكاتبة اليوم تحارب في عدة اتجاهات، بين النهوض بغيرها من النساء، وبين دفع ضغط الأنظمة الجائرة الواقع عليها من جهة أخرى، تبعاً لذلك سيدرك الرجل المثقف والقارئ أن المعركة خاسرة، خصوصا عندما يدرك أن الخصم ينتقل بأسلحته ليوجهها إلى الطرفين المرأة والرجل، وأن كلّ واحد من هذين الكائنين يواجه معتركات الحياة مع الآخر، وكذا الأمر مع مخاضات الإبداع العسيرة .

روائية سعودية

17