اسم مصر وحده لا يكفي

الأربعاء 2015/09/30

من ضمن الأوهام التي عششت في رؤوس معظم من تولوا إدارة ورئاسة مهرجانات السينما المصرية، شعار مضحك رددوه ومازالوا يرددونه حتى يومنا هذا، وهو أن “اسم مصر يكفي”… يقصدون أن مهرجانا دوليا مثل مهرجان القاهرة السينمائي، يمكنه جذب النجوم والأفلام الجديدة الجيدة بسبب “اسم مصر” فقط، وهو الشعار الذي كان يردده وزيرالثقافة المصري الأسبق فاروق حسني، في مجال تبرير ضعف الميزانية المرصودة للمهرجان.

هذا الشعار يتجاهل حقيقة غياب سوق سينمائية حقيقية في مصر تمتلئ بشبكات التوزيع، ودور العرض تكفل استقبال وعرض الأفلام التي تشارك في المهرجان، بحيث تصبح القاهرة مثلا، بوابة للسينما الأميركية والأوروبية نحو بلدان الشرق الأوسط.

فهذا هو العنصر الأول الذي يدفع منتجي وموزعي الأفلام الأميركية التي تمتلئ عادة بما يعرف بـ”نجوم السينما”، للتهافت على عرض أفلامهم الجديدة وإرسال نجومها للترويج لها بموجب العقود الموقعة معهم، وهذا ما يحدث في مهرجانات مثل كان وبرلين وتورنتو.

ومع ذلك فهذه المهرجانات، وغيرها، هي البوابات الطبيعية لاختبار الأفلام والترويج لها، ثم ضمان دخولها إلى أسواق تلك البلدان أولا، ثم عبورها إلى البلدان الأوروبية وإلى أميركا الشمالية وأميركا الجنوبية (أسواق المكسيك والبرازيل وكندا مثلا) وإلى السوق اليابانية الكبيرة.

أما مهرجانات الدول التي ليست لديها أسواق حقيقية فهي تدفع من أجل استقدام الأفلام الجيدة، وهذا ليس عيبا ولا “رشوة” تستحق كل هذا الاستنكار والإصرار العجيب عن رفض هذا المبدأ.

من المؤسف أن البعض لا يزال يعتقد أنه نظرا لتاريخ صناعة السينما المصرية الطويل، فهذا وحده كاف لجذب الأفلام والنجوم، وهو اعتقاد يقوم على الوهم أو التضليل.

فالمنطقة لا تمتلك سوقا حقيقية، كما لا تمتلك القدرة على استيعاب الأفلام الجديدة التي تخرج عن المسار التقليدي المعتاد للفيلم الأميركي الذي يتم توزيعه أصلا دون الحاجة إلى أيّ مهرجان.

ومن المؤسف، أن كل من تعاقبوا على رئاسة مهرجان القاهرة ظلوا يستنكرون وينكرون ويستبعدون بشدة فكرة تخصيص قسط متواضع من ميزانية المهرجان من أجل جلب أفلام جديدة جيدة المستوى، تحت شعار “اسم مصر يكفي”، رغم أنه ثبت مئات المرات من قبل أن “اسم مصر لا يكفي”.

وعندما توليت رئاسة هذا المهرجان لفترة وجيزة في ظروف عسيرة، كنت الوحيد من بين رؤساء المهرجان السابقين واللاحقين، الذي أعلن أنني على استعداد لإنفاق مبلغ ما من ميزانية المهرجان، من أجل جلب أفلام تعرض للمرة الأولى في العالم إلى القاهرة، وهو ما يمنح أي مهرجان مصداقيته.

ومن المؤسف أن “السيدة” التي قبضت على رقبة المهرجان لسنوات طويلة، مازالت تتباهى في تصريحاتها الأخيرة المنشورة، بأنها لم تكن تدفع مليما من أجل جلب الأفلام، لكنها تتباهى بأنها كانت تدفع من أجل جلب النجوم (!!).

فماذا أضاف هـؤلاء النجوم للمهرجان فضلا عن التفـاف بعض المصورين حولهم ليلـة الافتتاح؟ وهـل الأولوية لدى أيّ مهـرجان سينمائي هي ظهـور بعض النجـوم في حفـل الافتتاح الــذي يستغـرق ساعتــين، أم في الأفلام التي تعرض بحضـور مخرجيها طـوال أيــام المهـرجـان؟

وإذا التمسنا العذر للمديرة السابقة، فكيف يمكننا التماس العذر لمن يفترض أنهم يعرفون ويفهمون طبيعة عمل مهرجانات السينما الدولية؟ لقد تتقاضى شركات التوزيع السينمائي مبالغ رمزية، من 100 إلى 500 يورو، لإقراض الأفلام الجديدة للمهرجانات خصوصا التي تبيع التذاكر للجمهور، فما هي مشكلة تخصيص قسط بسيط من الميزانية لتحسين مستوى العروض، أم أن حفل الافتتاح الذي يتكلف بمليونين من الجنيهات أهم من أفلام المهرجان؟

ناقد وكاتب سينمائي من مصر

16