اسم ومسمى

الأربعاء 2014/06/25

حين علّم الله تعالى آدم الأسماء كلها، كانت ثمة مراجع في الواقع، تحيل عليها هذه الأسماء، ثم تحولت تلك المراجع إلى مفاهيم وصور ذهنية، تبعد أو تقترب من الأصل، حسب ولع الناس بتصاريف المجاز. لكنها ظلت تحيل على أشياء توجد “هناك”، تعلّمها آدم، والبشرية من بعده، وتدريجيا، بات الاسم علة لوعي المعلول، وبصيرة لإدراك الموجودات.

لهذا كانت أكثر القيم تحديدا لمصائر الأشخاص والشعوب هي “الأسماء”، فأنت عزيزي القارئ، لا تستثير أيّ معنى إلا حين يكون اسمك “محمد” أو “إدوارد”، أو “إسحاق”، كما أن بلدك لن يكون لها وجود، دون اسم على الخريطة، ودون أسماء لمدنها، وأخرى لشوارعها، وأزقتها.. ستتيه حتما، حين تزور أقرب مدينة لك لا تضع علامات مرور. وتيهك البسيط قد يتحول إلى ضياع عات، حين تجد نفسك في زحمة تفقد فيها الوجوه أسماءها.

لنوسع دائرة التمثيل إذن ولنجعل المدينة نصا، طبعا ستحتاج إلى إشارات مرور، وإلى أسماء: “رواية”، أو”قصيدة”، أو”مسرحية”، أو”مقال نقدي”، أو”نص فلسفي”.. وهي علامات تحتاج أيضا لتفاصيل اسمية، فالمكان في رواية أو قصيدة مثلا، لا يمكن أن يكون أرضا فقط، هو مدينة أو ريف، مفازات مجدبة أو سهول خضراء.. والكائن أيضا يجب أن يسمى لا يكفي أن يكون مجنونا أو سويا، نبيلا أو نذلا، الأساسي أن يكون إما “عبدالله” أو “جورج” أو.. لقد عرفت رواية المغامرات الأوروبية، وعلى امتداد تطورها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، البطل الذي ينتقل باسم مزيف، أو البطل الذي لا اسم له، أو البطل الذي يحمل اسما شخصيا فقط، إننا نجد ذلك عند “مارسيل بروست” و”كافكا” و”جيمس جويس”، وفي كثير من الأحيان يختصر الاسم إلى مجرد حرف، هذا قبل أن تطغى الصورة والجسد على الاسم في السينما والفنون البصرية المعاصرة، حيث بات الاسم شيئا هامشيا إن لم نقل مبتذلا.

لكن الاسم في النهاية قدر، فـ”محمد” يجب أن يكون شخصا مسلما، وفرنسا يجب أن تكون بلدا أوروبيا، و”النص” يجب أن يكون أدبا حقيقيا لا تدليسا على المجاز، و”الحزب” يجب أن يكون شأنا دنيويا، لا ابتزازا لإحساسنا الجماعي بالخطيئة، لا حزبا لـ”العدالة الإلهية” ولا لـ”الحرية البشرية” لا حزبا لـ”الله” ولا لـ”الملائكة”.

في تفصيل بارع من رواية “الحكم بالموت” لموريس بلانشو يتحدّث السارد عن تجربة العدم، ولا تستطيع كقارئ أن تتمثل الأمر بسهولة لأن العدم بتفاصيله يفتقر إلى أسماء محددة، يبدو الوجود فقط هو البديل عن العدم، يشبه في العمق المرجع الذي لم يعلّم الله آدم اسمه ذات يوم.


كاتب من المغرب

15