اشتباكات فكرية عربية مع سيد "الأدب المظلم"

استعادة فرانز كافكا رائد الكتابة الكابوسية في كتابات عربية حديثة.
الاثنين 2019/10/28
كافكا المؤثر رغم مرور قرن على رحيله

انقضى ما يقرب من القرن على وفاة الكاتب التشيكي اليهودي فرانز كافكا، الذي كتب مؤلفاته بالألمانية وتمكّن رغم حياته الوجيزة من أن يكون رائد الكتابة الكابوسية. واللافت أن تأثيرات كافكا تعاظمت في السنوات الأخيرة عند العرب، ربما للواقع الكابوسي الذي يعيشونه. لكن تأثير كافكا ليس مجرد صدفة طارئة.

 علاقة كافكا بالعربية قديمة، ترجع إلى كتابات طه حسين عنه في مجلة الكاتب المصري عام 1947، حيث خصّه طه حسين بمقالتيْن؛ الأولى بعنوان “الأدب المظلم”، وكانت أشبه بعريضة دفاع عن كافكا الذي تعرّض لمحاولات تشويه من النازية، وفي ذات الوقت سعى إلى تقديمه إلى العربية. وكانت هذه المقالة بمثابة “الاشتباك النقدي الأول مع كافكا في اللغة العربية”.

ثم نشر مقالة ثانية عنه في ذات المجلة بعنوان “فرانز كافكا” في مارس عام 1947، وكانت استعراضا لحياته وأعماله بعد وفاته، بدأها هكذا “مرّ بهذا العالم سريعا، فلم يعش فيه إلا أربعين عاما” تحدث فيها عن طفولته ونشأته في أسرة يهودية تعمل في التجارة، وعن علاقته بالدين، وإن كانت تطرقت إلى علاقة أسرته بالدين التي كانت شكلية، أما هو فكان منكرا للدين، متطرقا إلى علّته التي عجز أطباء اللاهوت عن علاجها، وبالمثل عجز علم النفس التحليلي عن علاجه. ويشير إلى أن ظروف الحياة الأوروبية كانت ملائمة لنشأة آثار كافكا فكل شيء حوله يؤذن بالكارثة، ويدفع إلى البؤس واليأس. ويخلص طه حسين إلى أن حياته الخاصّة كانت كلها نُكرا وشرّا، وحياته العامّة كانت كلّها بؤسا ويأسا، ومن ثمّ فلا غرابة من أن ينتج كافكا في هذه الظروف الأدب الأسود.

على أثر كافكا

توالت الكتابات التي تناولت كافكا خاصة علاقته باليهودية، وقصة إحراق كتبه التي أثيرت في فرنسا عام 1946. ومن هذه الكتابات جاء كتاب العراقية بديعة أمين “هل ينبغي إحراق كافكا؟” عام 1983 عن دار الآداب، وقد سعت في كتابها إلى تفنيد القضية بالدرس والتحليل والاستشهاد بآراء الكتّاب الأجانب والعرب الذين بذلوا الجهد لإثبات أن فرانز كافكا كاتب صهيوني، وهناك من سعى إلى إثبات صهيونية كافكا كما فعل الكاتب كاظم سعدالدين في مقالتيه؛ “حل رموز كافكا”، و”أي حقيقة تلك التي يبحث عنها كافكا”.

وهناك أيضا كتاب علاء اللامي “كافكا الآخر… أدب كافكا يدحض اتهامه بموالاة الصهيونية”، الذي راح يدحض هذه الاتهامات عن كافكا. وعلى الرغم من كثرة الكتابات التي تناولت هذه القضية، كما فعل سعدي يوسف، وواسيني الأعرج، وفيصل درّاج، وجودت السعيد الذي قدم الكثير من ترجمات كافكا إلى العربية، وكاظم سعدالدين، وأنور العناني ومحمد موعد وصلاح حاتم وعبدة عبود، إلا أن الجدل لم يُحسم بعد.

كافكا ينتمي إلى سلسلة من المفكّرين والكتّاب الألمان ذوي الخلفية اليهودية الذين كانت لهم إسهامات نقديّة، فلسفية أو أدبية مُميّزة”.

إلى جانب هذه الكتابات التي انقسمت بين مؤيد ليهودية كافكا وداحض لها، فقد زاد الاهتمام في الفترة الأخيرة تجاوز هذا الخلاف، إلى تَتبُّع أثر كافكا في الكتابات العربية، على نحو ما فعل الناقد العراقي نجم عبدالله كاظم “كافكا والكافكوية والرواية العربية والبحث عن الخلاص” (المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2018)، وهو معني بتأثير كافكا في الثقافة العربية والرواية على وجه الخصوص، والثاني هو كتاب أكاديمي أيضا نتاج رسالة دكتوراه بالألمانية لعاطف بطرس العطار، والتي ترجمها إلى العربية بعنوان “كافكا عربيّا؛ أيقونة تحترق” (منشورات المتوسط 2019).

يلتقي الكتابان حول كافكا وأثره وتأثيره في العربية، وإن كان كتاب الدكتور عاطف يذهب إلى أبعد من هذا، حيث يبحث عن جذور كافكا في الثقافة العربية والتي ردّها إلى طه حسين ومجلة الكاتب المصري، التي كان طه حسين يرأس تحريرها، فقد بدأ ظهور كافكا بالعربية على يد طه حسين الذي راح يعرّفه إلى قرّاء العربية، ولم يكتف بتقديمه أو نشر قصصه وإنما كان يدافع عنه، كاشفا عن المعاناة التي تعرض لها من جراء الحملات التي أعلنها ضده النازيون في ألمانيا والشيوعيون في فرنسا وتشيكوسلوفاكيا.

لا يروم العطار من تتبع أصداء كافكا في الثقافة العربية إلى مجرد تغطية تاريخ الترجمة والتلقّي العربي لفرانز كافكا (1883 -1924) فقط، بل هو “محاولة لرصد وفهم وتحليل مسارات وتطوّرات تتعلّق بالاشتباك العربي مع نتاج هذا الأديب وخصوصية موقعه؛ نظرا إلى أنه أحد العلامات الأدبية البارزة للحداثة الأوروبية، لاسيما كونه ينتمي إلى سلسلة من المفكّرين والكتّاب الألمان ذوي الخلفية اليهودية الذين كانت لهم إسهامات نقديّة، فلسفية أو أدبية مُميّزة”.

الكثير من الروائيين العرب اصطبغت أعمالهم بالنزعة الكافكوية بشكل ملحوظ، سواء في عوالمها المعقدة أو أجوائها وأساليبها

نجم عبدالله كاظم تعود علاقته بكافكا، كما ذكر في المقدمة، إلى أكثر من أربعين عاما، أما عن منهجة فيعمد إلى منهج المقارنة وفقا للمدرسة الأمريكية، ساعيا إلى إبراز التشابهات والاختلافات النصية بين روايات كافكا والروايات العربية عيّنة الدراسة، وعبر هذه التشابهات يبحث عن الدلالات والمعاني التي يمكن الخروج بها من أوجه اللقاء بينهما؛ أي تأثير كافكا في الرواية العربية، ومن ثم إظهار كيف تمثّلَ هذا التأثير في هذه الروايات؟ وما أشكال انصياع العرب لصبغته السلبية الغالبة أم أنهم تحايلوا واكتفوا بما يتناسب مع رواياتهم؟

يأتي كتاب عبدالله كاظم في قسمين أوّلهما؛ نظري بعنوان “كافكا والكافكوية”، وثانيهما، تطبيقي بعنوان “كافكا والكافكوية في الرواية العربية”، والقسمان مسبوقان بتمهيد عن علاقة العرب بالآداب الأجنبية وتأثر روائييهم وقصّاصيهم بها، خصوصا خلال النصف الثاني من القرن العشرين، كما تمثّل ذلك بشكل خاص في تيارات ومذاهب الفردية أو الفردانية والذاتية، مثل الوجودية والعبث واللامعقول والفانتازيا، ومن ثم تعرض لمناقشتها بسبب طبيعة التداخل بينها.

البطل المغترب

كافكا لم يقحم نفسه في السياسة ولم ينتمِ لأي أيديولوجيات
كافكا لم يقحم نفسه في السياسة ولم ينتمِ لأي أيديولوجيات

 في القسم النظري يعتمد كاظم ثلاثة محاور أساسية في دراسته كمداخل إلى المقارنة بين أدب كافكا والروايات العربية،وهذه العوالم هي؛ البيروقراطية وعوالم اللامعقول، الاغتراب والبطل المغترب، السلطة والبطل المطارد، باعتبار أن هذه المحاور تشكّل جوهر أدب كافكا، وتشكل أيضا ما صار يُعرف بالكافكوية. لكنه يعترف أن المحور الأخير هو الذي هيمن على دراسته ولكن من دون أن ينفصل كليا عن المحورين الآخرين، فمن خلال هذا المحورأي؛ السلطة والبطل المطارد مارس كافكا تأثيرات في الأدب العربي الحديث. يشير كاظم إلى أن أعمال كافكا بسماتها الخاصة هي نتاج شخصيته ذات الطبيعة والسمات الخاصة أيضا، ومن ثم أفرد جزءا لحياته في مدخل الفصل الأول، فخلص إلى أن اغترابه كان نتيجة للوسط الاجتماعي الخاص، ونشأته وسط أب متحكم.

أما عن طبيعة السلطة على تعدّد أشكالها؛ حقيقية كالسلطة السياسية، أو مجازية كسلطة الحياة والوجود والخالق والإنسان في عوالم كافكا، فهي مجهولة عادة أو مفتقدة للهوية كما يصفها كاظم، وهو ما يجعل “البطل في حال من الخوف والريبة وعدم الأمان”. وبناء على هذا جاءت ردود أفعال الأبطال إزاء هذا الفعل، عبر السعي بالوسائل التي يراها ممكنة أو مشروعة للخلاص، أو الهروب.

الهدف الأساسي من الكتاب هو إظهار هذه التمثّلات في الرواية العربية للروائيين العرب، الذين اصطبغت أعمالهم بالنزعة الكافكوية، بعوالمها المعقدة وأجوائها وأساليبها. ومن ثمّ يخصص الجزء الثاني من الكتاب الذي عنونه بـ”كافكا والكافكوية في الرواية العربية”، وقد اشتمل على ستة فصول؛ ليقدّم نماذج روائيّة لكتّاب تأثّروا مباشرة بكافكا وأعماله؛ كجورج سالم الذي يبدأ بروايته “في المنفي” وهو أحد أكثر الكتّاب تأثرًا به، ثم أعمال محيي الدين زنكنه وصنع الله إبراهيم وإبراهيم نصرالله وجبرا إبراهيم جبرا ويحيى الطاهر عبدالله ويحيى جواد ويوسف الصائغ وفاضل العزاوي. ويشير إلى أن تأثيرات أعمال كافكا جاءت من خلال ثميات وجوانب موضوعية وفنية، متضمنة المحاور الأساسية التي ذكرها من قبل.

لا ينكر نجم عبدالله كاظم انتماء كافكا إلى اليهود واليهودية، فهو أمر لا مفرّ منه، ولكن على الجانب العملي فإنه “لم يأتِ فعلا وكتابة ما يثبت أنه قد أيّد كل أفكارهم ومعتقداتهم، كما لا يثبت، وهو المهم، أنه لم يُثبت انتماؤه أو حتى اقترابه فكرا أو تأييده فكريا وكتابيًّا وماديا إلى الصهيونية، بل وقد أتى في بعض كتاباته بما يتعارض مع الكثير من أفكارها ومطامعها، خاصة فكرة ومشروع الهجرة إلى فلسطين. أما عاطف بطرس فيرى أن كافكا “لم يقحم نفسه في السياسة ولم ينتمِ لأي أيديولوجيات“. ويستمر في تبرئته قائلا إن من يقرأ كافكا ويومياته يعرف أنه كان متشكّكا تجاه المشروع الصهيوني القائم على استيطان أرض فلسطين العربية، رغم تعاطفه مع فكرة الظلم الواقع على اليهود في أوروبا وضرورة أن يجدوا مكانا آخر ليعيشوا فيه“.

إلى جانب هذا ركّز المؤلف، وهو في الأصل مأخوذ عن رسالة الدكتوراه التي تقدّم بها في الأدب المقارن إلى جامعة ليبزج الألمانية، وصدرت في كتاب بالألمانية عام 2009 بعنوان “كافكا كاتب يهودي من منظور عربي” على رصد وفَهْم وتحليل أشكال التفاعل والاشتباك في الثقافة العربية مع إنتاج الكاتب التشيكي البارز، مبينا كيف تجاوز جغرافيته إلى جعرافيا بديلة، عبر وسائط طه حسين والشاعر السوريالي المصري جورج حنين، الذي كتب عنه بالفرنسية عام 1939. وإن كان اهتمامه، كما يقول العطار، جاء “انطلاقا من رغبته في مناهضة الفاشية والرجعية في أوروبا والعالم”.

 ولا يكتفي الكتاب برصد ومقارنة الترجمات المختلفة التي صدرت ولا تزال تصدر لأعمال كافكا، وإنما يحاول فهم ظروف تلقي هذه الأعمال وبالتالي تحقيق مهمتيْن، إحداهما قراءة أعمال كافكا في ظروف تأليفها ونشرها بلغتها الأصلية إلى جانب الوقوف على لحظات تلقيها وكيف تتراكم التأويلات فوق النص الأصلي.

14