"اشتباك": المواقف الإنسانية أكبر من الخلافات السياسية

لم يكن غرض الأخوين دياب محمد وخالد مؤلفي ومخرجي فيلم “اشتباك” المصري الهجوم على فصيل بعينه، أو تحليل الأحداث السياسية أو حتى إلقاء التهمة على أحد، على العكس من ذلك قادهما ذكاؤهما إلى استثمار حدث واقعي جدى في نهاية شهر أغسطس عام 2013، حين لقي 37 سجينا مصرعهم خلال نقلهم في سيارة لترحيل المعتقلين إلى السجن، إثر انفجار قنبلة غاز، لكن بعيدا عن إطاره السياسي ومغزاه الجدلي.
الأربعاء 2016/08/17
تعاطف إنساني وقت المحن

البحث عن الإنسانية وسط عالم حافل بالأفكار والرؤى السياسية المتصارعة، هو الهدف الذي ظهر منذ الدقائق الأولى للفيلم المصري “اشتباك”، من خلال مشهد المشاجرة بين صحافي ومصور ينتميان لإحدى وكالات الأنباء الأجنبية ويقومان بتغطية الأحداث بعد ثورة 30 يونيو 2013 مع ضابط شرطة يقوم بوضعهما في سيارة ترحيل المعتقلين.

داخل هذه العربة تنطلق أحداث الفيلم وتبدو لنا الصورة التي وصلنا إليها في السنوات الأخيرة، والتي أحدثت الكثير من الفرقة والكراهية بين فئات المجتمع المصري، فيها تتجمع كل الآراء ما بين ليبرالي، وإخواني، و”بلطجي”، يتناحرون جميعا، لكن تجمعهم لحظات إنسانية شديدة الخصوصية.

وتبدأ الأحداث بمشهد لمظاهرة تطوف الشوارع تأييدا للجيش والشرطة، تمر بالقرب من رجال شرطة، حيث حاول الصحافي والمصور الصراخ على الحشود لمساعدتهما على الاتصال بإدارة وكالة الأنباء التي يعملان فيها.

وعلى عكس المتوقع، ما إن علم الثوار بانتمائهما لوكالة أجنبية حتى بدأوا يقذفون السيارة بالطوب والحجارة، ما دفع الضابط والجنود إلى إلقاء الثوار المؤيدين للنظام الحاكم داخل هذه السيارة معتقدين أنها تظاهرة مؤيدة للإخوان، ثم تتحرك السيارة نحو مداهمة بعض الأحياء التي توجد فيها جماعات الإخوان، فتلقي القبض على مجموعة أخرى منهم.

في هذه العربة، يتشاجر المحتجزون المختلفون سياسيا بين حين وآخر، ومنهم عائلة الممرضة (نيللي كريم) وزوجها (الممثل طارق عبدالعزيز) ونجلهما (الشاب أحمد داش) الذين اعتادوا النزول في مثل هذه التظاهرات.

هناك سائق للسيارات يدعي “البلطجة” حتى يخشاه المحتجزون بالسيارة، وهناك الشاب الذي ينتمي لطبقة الأثرياء، وعاطلان من أبناء الطبقة الشعبية، ورجلان من كبار السن نزلا للبحث عن ابن أحدهما.

أما المنتمون لجماعة الإخوان في السيارة فقد مثلوا تنوعا كبيرا بين رجل مسن وابنته التي ترتدي الخمار، وآخر ملتح يهتف طوال الوقت بالدماء والقتل، ورجل وشقيقه أحدهما عضو منتظم بالجماعة وآخر (محب) أو في مرحلة مشاورة العقل، وثلاثة آخرين من أعضاء التنظيم يبدو على اثنين منهم قدر من العقل والحكمة.

المواقف الإنسانية لا تعد ولا تحصى، وتظهر الجانب الخفي في شخصية الأبطال بين عجوز مريض بالسكري لا يستطيع قضاء حاجته، فيصرخ الجميع للضابط من أجل مساعدته، لكن الأخير يرفض ذهابه إلى دورة المياه ويكتفي بإحضار زجاجة له. والمشهد نفسه يتكرر مع صبية تبلغ من العمر 14 عاما تبكي في أحد المشاهد من فرط معاناتها دون أن تتمكن من ذلك، فيعطيها الجميع ظهورهم في السيارة إلى حين قضاء حاجتها.

نيللي كريم لم تتوان عن علاج رجل إخواني أصيب في رأسه، وحين تلقى قنبلة غاز خارج السيارة يخلع الجميع ملابسهم لسد نوافذ السيارة المفتوحة حتى لا يصابوا بالاختناق، وهو المشهد الذي تعقبه جلسة يتبادل فيها جميع الموجودين بالسيارة الحكايات والضحكات.

يحسب لفيلم “اشتباك” الذي شارك في الدورة الأخيرة لمهرجان “كان” أنه لا يفرض وجهة نظر معينة داخل الأحداث، فرغم قسوة ضابط الشرطة طوال الأحداث، إلاّ أننا نجده في لحظة ما، يتحدث إلى السيدة والفتاة والطفل الموجودين بالسيارة ويعد بإخراجهم لأن لديه أطفالا، كما تبدو لنا مشاعر الجنود المتباينة بين من يقرر مساعدة المحتجزين وآخر يرفض، وهكذا تسير الأحداث.

ولم يغفل الأخوان دياب أيضا إبراز صورة الخلاف الفكري الذي سيطر على عقول الأطفال في هذه الفترة من خلال حوار نجل الممرضة، وابنة الإخواني، والأهم من ذلك ترك النهاية مفتوحة بعد أن تدخل سيارة نقل المعتقلين في قلب مظاهرة على الطريق لتنقلب على أحد جوانبها، ويتم إخراج من بها بصعوبة شديدة وسط سيل من الشتائم والضرب من المتظاهرين، في إشارة غير مباشرة إلى أن هذا الخلاف الجماعي سيؤدي بنا في النهاية نحو الجحيم.

الصورة في الفيلم أكثر ثراء وعمقا في رصد تفاعلات الأبطال وتعبيراتهم بلغة العينين، والأهم من ذلك نجاح مدير التصوير، أحمد جبر، في الحصول على مشاهد وزوايا تصوير مختلفة داخل العربة صغيرة المساحة، والتي دارت داخلها كل أحداث الفيلم تقريبا.

ولقي فيلم “اشتباك” إشادة خاصة من النجم العالمي توم هانكس، عندما مثل مصر في مهرجان كان السينمائي الأخير.

16