اشتباك ثقافي سعودي ساحته تويتر وشظاياه في اليونسكو

الثلاثاء 2013/09/17
زياد الدريس ومحمد السيف: مواجهة فكرية مفتوحة على كل الاحتمالات

الرياض- كان سجالا فكرياً، لم تحتضنه القاعات الثقافية السعودية الغائبة، واحتضنته شبكة التواصل الاجتماعي تويتر، بطلاه سعوديان، كلاهما من زمن عايش تحولات السعودية الفكرية، من الناصرية القومية وظهور جهيمان مقتحم حرم مكة، حتى الصحوة والجهاد الأفغاني وزمن الحداثة ودعواتها والليبرالية وتحولات ما بعد 11 سبتمبر-أيلول، حتى زمن صعود الإخوان، وسقوطهم الأخير، ولكل منهما تصنيفه الفكري.

محمد السيف، الصحافي السعودي الشهير، المتخصص في كتابة السيَر وراصد التاريخ والثقافة وأحد أعلام التاريخ السعودي الحديث. الآخر، هو الدكتور زياد الدريس، رجل حكومة ومندوب الرياض لدى منظمة اليونسكو، رجل "المعرفة" الذي قادها إلى شهرتها من خلال عمله بوزارة المعارف التي أصبحت وزارة التربية والتعليم لاحقاً.

هما ضدان، لكن في حدود الفكر والتوجه، الأول يتحدث بمنطق التاريخ والثقافة والمعرفة والأنسنة، والثاني، يحاول المقاربة وإبعاد شبهات التصنيف الإسلامي "الإخواني" من شخصيته.

التاريخ يسجل كل شاردة، ويختصر الطريق لمعرفة ما وقع ويقع، وإن كانت السعودية تتحفظ بل وتحارب الفكر الإخواني الساعي إلى تثبيت ما تمليه جماعة المقطم المصرية حيث مرشد الإخوان وتنظيمهم الدولي، لكنها فيما يبدو تحتفظ ببعضهم في مناصب عديدة.


اشتباك في تويتر


ليس هناك شك في أن محمد السيف، بنك المعلومات السعودي الحالي، ثقافة وفكرا وتاريخا، بدأ في سجاله مع زياد الدريس باستعراض مقالة للدريس كانت ردا على مقالة للكاتب السعودي الدكتور تركي الحمد، وما حملها عنوانها من الدريس بـ"نفي الميكافيلية عن الإسلاميين غباء وتعميمها جريمة".

جاءت ردود السيف على الدريس موثقة بالمقال والتاريخ، لم تفتح سوى طريق الهروب وإنهاء الحوار رغم قصف السيف الثقافي والتاريخي على الدريس وأفكاره مثار النقاش، قاطعٌ ذلك السيف كل طرق الهروب أمام الدريس الذي يرى نفسه "مترفعا" عن الخوض في تفاصيل محمد السيف. الأفكار وحدها وقود محمد السيف، والدريس كان أكثر إبداعا منه في الهروب والمراوغة، بينما لا يزال السيف مستمرا في نهجه الكاشف، والراصد لكل شوارد الذاكرة والقلب الذي يهواه زياد الدريس. معتبرا أن الدريس في منصبه بمنظمة اليونسكو "مثقل بحمولة أيديولوجية".

مندوب السعودية باليونسكو زياد الدريس قال في موجة السيف الصارمة عبر الساحات الإلكترونية إن ما يحمله السيف ضده هو "تصفية حسابات" لم يكن أمام السيف سوى رده في تغريدات عديدة: "موجة تصفية كما تقول، فهذه ليست مسؤوليتي ولا تحملني أوزارها، هذه الموجة هي نتيجة صراع كما تعلم بين كُتّاب وطنيين وآخرين إسلاميين يدّعون الوطنية وولاءهم للمقطم".

ويضيف السيف في رده على زياد الدريس قليل الكتابة والمفضل للهروب:"تخيّل كاتبا يعتب على الحكومة احتفاءها بالسلفية، مطالبا بأن تكون المملكة مظلة تحتوي المذاهب والفرق والتيارات الإسلامية، وهو نفسه لا يعترف بالمواطن الشيعي في موطنه!" وهي تغريدة يعيد فيها السيف بعض تاريخ قريب للدريس.

جذب الإثنان ( محمد السيف وزياد الدريس) في تدويناتهما بتويتر اهتمام الشارع السعودي الإلكتروني، وأظهر السيف من أرشيفه كل إثباتات التلون في تاريخ زياد الدريس، في مرحلة كان الدريس متوهجا داخليا مستفيدا من مكانة والده الثقافية والإعلامية ونبوغ الفتى المدلل زياد الذي وصل إلى مقاعد (المعارف) وترأس تحرير مجلة "المعرفة" التي اشتهرت في فترة الصحوة الإسلامية وتفوقت في تسويقها على مجلات ثقافية عديدة، مستفيدة من وجودها تحت مظلة حكومية.

بينما غاب عن الدريس تواجد أرشيف السيف القوي خاصة في الثمانينيات وتحولات الإسلاميين وصراعات الجهاد والجدال حينها، وكيف كانت كتاباتهم في صحوة إسلامية تتشابك مع المبادئ الإخوانية، ومرحلة جديدة متكررة إن صحت تسميتها بصحوة ثانية انتشت مع زمن الصعود الإخواني في مصر.


فتى الصحوة المدلل

سجال صاخب على تويتر


زياد الدريس حائز على شهادة الدكتوراه من جامعة روسية 2007، لا يعرف لغتها، إضافة إلى صعوبات جمة يجدها في سبيل الحديث باللغة الإنكليزية التي يعرف بعض دروبها، وسط مطالباته بأن يكون حديث (اليونسكو)، التي عاداها فترة من حياته أسوة بـ"الإسلاميين"، باللغة العربية التي لا يتقن غيرها.

حكاية زياد الدريس، أنه كان ولا يزال فتى "الصحوة" المدلل، المنبهر بالحياة الغربية، وصل إلى اليونسكو في العام 2006 أي قبل دكتوراه روسيا بعام، يكره الجــدل ويفضل الهروب الناعم، فطوال مسيرتــه لم يدخــل في سجــال فكري كمــا دخلــه في مواجهة السيف.

سبق محمد السيف في نزالــه الفكــري الكاشف والفاضح للدريس، الكاتــب السعودي عبدالله باجبير في العــام 2000 ولم يكن من زياد الدريس سوى أن التزم الصمــت والهروب الصــامت كمــا يعيشه اليــوم إلكترونيــا مــع محمــد السيــف.

فتح ذلك الحوار تساؤلات أمام جمهور من السعوديين عن كيفية ترشيح رجل مثل زياد الدريس إلى وظيفة دبلوماسية مرموقة كعضو دائم في منظمة اليونسكو، وهو يحمل بعض أجندات كشفها أرشيف محمد السيف القوي، ولا تزال مشتعلة بداخل الدريس، الذي ودع السيف بتغريدة قال فيها: "بقي أن أذكّرك بأن الأرشيف التام سنجده عند الله يوم البعث وفيه الصدق من الكذب والنوايا الحقيقية لمشاعرنا مهما راوغنا".

وزياد الدريس، من جيل الصحوة الإسلامية بالسعودية، من أولئك المنتقدين للحداثة، ومما يدل على تلونه هو كتاباته المنفردة بمجلة "اليمامة" التي كانت في زمن الصراعات الصحوية الحداثية قبلة لأقلام الحداثيين، وهو إسلامي صحوي يعيش قلمه على أوراق تلك المجلة.


في اليونسكو


لا تشفع له سيرته في تبوء منصب في منظمة اليونسكو، فسيرته لا تحمل سوى ممارسته لعمله في إدارة المختبرات، انتقل بعدها بقوة الحب الجامع بينه وبين وزير (المعارف) الأسبق محمد الرشيد إلى إدارة الإعلام التربوي وترأس معها مجلة "المعرفة" وهو الغريب عن العمل الصحفي ومطبخها الكبير، ومنها انطلق في رحلة لنيل شهادة الدكتوراه السريعة من روسيا.

يضاف إلى تلونات الدريس، ما كان بالأمس عن نشره صور تكريمه مــن قبل الرئيس الفلسطيني محمود عباس بميـدالية "فلسطين الذهبية" تقديرا لدور السعودية في ضم "دولة فلسطين لعضوية منظمة اليونيسكو كعضو دائم وكامل العضوية".

هذا التكريم الذي قبله الدريس يأتي اعترافا بحركة فتح، ورئاستها للحكومة الفلسطينية، أمام تعاطف الإسلاميين الكبير لحكومـة حمـاس المقالـة التي يرأسهـا إسماعيـل هنيـة.

من حسنات تويتر أنه ساحة جديدة للجدل، وفضاء يمكن للزلات الصغيرة أن تكشف عن الحقائق الكبيرة، والجل الذي دار بين السيف والدريس، وضعنا أمام شخصية، يمكن أن تكون نموذجا للتلون والتحول والاستفادة من علاقات القرابة لتحقيق انتصارات شخصية تتسبب غالبا في هزائم للشأن العام والحياة العامة، وقبل كل شيء، للحقيقة التي ينشدها مدونو التاريخ.

فكيف إذا كان الحديث عن شخصية شغلت منصبا دوليا خطيرا، في منظمة ياكفح العرب ليكون لهم فيها صوت مؤثر، أو حتى صوت نزيه وفعال بين الأمم وفي العلاقات الدولية؟ لا أن تكون شخصية تحتل مركزا وتجعله واحدا من الخسائر الكثيرة التي يمنى بها العرب.

14