اشنقوا آخر تكفيري بأمعاء آخر عنصري

الأحد 2015/05/24

تفجير القديح الإرهابي مدان ومستنكر ومرفوض. حين يستهدف الشيعي ﻷنه شيعي فكل السنة شيعة، وحين يستهدف السني لأنه سني فكل الشيعة سنة.

أستعير عنوان البيان “الشيعي” الذي صدر بعد جريمة الدالوة الإرهابية والطائفية عام 2014، يوم قال “سعوديون بلا أقواس”، وعليه فإنني لا أتقدم بالتعزية إلى السعوديين الشيعة، بل أتقدم بها إلى الوطن السعودي كاملا، فالوطن لن يكون كذلك من دون شيعته كما لن يكون من دون صوفيته وسنته، لا وطن من دون القطيف كما لا وطن من دون جدة أو الرياض.

أعلنت داعش تبنّيها لجريمة القديح الإرهابية، وهو إعلان يخدمنا من جهتين، فمن يستهدف المساجد والمصلين، مهما كانت طائفة المجرم أو طائفة الشهداء، يستهدف الإسلام، وهذا من فعل الشياطين، ومن جهة أخرى، توفر لدينا إثباتا جديدا بخدمة داعش ﻷعداء العرب والإسلام الذين يستهدفون الوحدة الوطنية في السعودية وفي غيرها عبر الاعتداء على قيمة التنوع تحت مظلتي الدولة والمواطنة، وهذا ليس غريبا على داعش وهي من تقاتل في سوريا خصوم بشار الأسد وإيران وتشوه صورة الثورة السورية وتلطخ سمعة السنة والمسلمين في كل مكان.

حسنا فعلوا المفتي وهيئة كبار العلماء والمجلس الأعلى للقضاء حين أدانوا العملية الإرهابية البشعة والخسيسة، كما فعلوا إثر جريمة الدالوة في الأحساء، لكن هذا ليس كافيا، فالمطلوب هو إدانة واضحة وحاسمة لخطاب التحريض الطائفي والعنصري المنتشر باسم الإسلام مع أن الدين منه براء، وأن يتم ذلك بالأفعال عبر تحقيق التنوع في المؤسسات الدينية وتنقية المناهج الدراسية والفتاوى الرسمية من رواسب الإقصاء وتشجيع التنوع في الإعلام وفي منابر المساجد والإيمان النهائي بالمساواة وبالمواطنة.

وزارة الداخلية التي تصرفت بمسؤولية ومهنية بعد جريمة الدالوة، ستنتهج نفس المنهج بعد جريمة القديح مؤكدة على منطق الدولة الذي يصون الحق والعدل، لكنها مطالبة أكثر من أي وقت آخر بتبني قانون صارم ورادع يحفظ الوحدة الوطنية من الطائفية والعنصرية ومصاصي الدماء.

في مواقع التواصل الاجتماعي تنتشر تغريدات التحريض الطائفي كما تنتشر خارجها فتاوى العنصرية، والفتاوى والتغريدات تنهلان السموم من وعّاظ التطرف كمحمد العريفي ومحمد الحضيف وسليمان الدويش وناصر العمر وسعد البريك وعبدالعزيز الفوزان ومحمد البراك وعدنان العرعور وإبراهيم الفارس وعبدالعزيز الطريفي، ولا يمكن التصدي للتحريض والتعنصر من دون معاقبة أربابه وردعهم مهما كان وزنهم.

إننا نخوض حربا وجودية ضد الإرهاب، ونتيجتها مخيرة بين الوطن والفناء لا بين التطرف والاعتدال فحسب، ومسرح العمليات موزع بين الأمن والفكر والسياسة، لذلك لن تتكمن الأجهزة الأمنية وحدها من دحر الإرهاب ما لم تتعاون مع النخب الفقهية والثقافية وتعزيز كل ذلك بمشروع سياسي إصلاحي شامل ينتصر لثقافة الحياة وروح الاعتدال وحقوق المواطنة وقيمة التنوع. نحن أمام مشروع صعب وقاس بسبب بنى النظام والمجتمع في المملكة لكنه ليس مستحيلا.

وما يزيد الظرف تعقيدا، هو عصر التطرف الذي نعيشه في كل الصعد، فالصراع العربي الإسرائيلي أضعف هيبة الدولة العربية، والصراع العربي الإيراني أجج نيران الطائفية الدموية، والصراع بين الإرهاب وبين الاعتدال أضعف قيمة الحوار وأجّل أمل التغيير، ومن يدفع الثمن هم النخب المعتدلة والحكام المخلصون والمواطنون الذين يحلمون بالسلام وبالاستقرار وبالحرية. ولا فرق هنا بين سنة وشيعة ومسيحيين، فكل الأبرياء مستهدفون وضحايا.

إننا أمام صورة حزينة في العالم العربي كله لا تحتمل أنصاف الحلول، والمسكنات فقدت فاعليتها أمام سطوة المرض، ولا مفر من المواجهة الشاملة والجدية مع الحلول الجذرية.

في هذه اللحظة الوطنية الدامعة، وجب الحذر من الراقصين على أنين الجرحى ودماء الشهداء بنفس قدر الحرص على التمسك بالوحدة الوطنية، وعلى الجميع عض الجراح وتحمل المسؤولية.

لن ينجح الإرهابيون في إغراقنا في مستنقعات الفتنة، والثقة معقودة على صاحب القرار لجر القتلة والمحرضين إلى المقاصل الدنيوية مقدمة إلى جحيم الآخرة.

صحفي سعودي

6