"اصطياد أشباح" فيلم يستعين بالأسرى ليصبحوا ممثلين

بين جدران إسمنتية ملأتها الثقوب والشقوق بعامل الزمن، يجلس العشرات من المعتقلين مصطفين متجاورين على أرض متّسخة حجبت إسرائيل الحرية عنهم قبل أن تحجب أغطية الرأس وجوهم، يجمعهم الظلم وتفرقهم الأسباب في قبو لا تصل له أشعة الشمس ولا يعرف عنه أحد شيئا. هكذا قرر المخرج الفلسطيني رائد أنضوني سرد حكاية أسرى فلسطينيين زجّ بهم في السجون الإسرائيلية بحرفة عالية في فيلمه “اصطياد أشباح” الذي عرض في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي.
الأحد 2017/12/03
نجح الفيلم في تسليط الضوء على قضية تبدو غائبة عن السينما العربية

بلغة سينمائية مختلفة وغير معهودة وسرد يجمع بين الوثائقي والروائي، قدم فيلم “اصطياد أشباح” حالة متنوّعة من الانفعالات بين سعادة وحزن وغضب وكبت لعدد من الأسرى السابقين في المعتقلات الإسرائيلية، مسلّطا الضوء على قضية إنسانية غاب تناولها عن كثير من الأفلام العربية منذ زمن بعيد.

عرض فيلم “اصطياد أشباح” بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الحالية، ليلفت انتباه الحضور بعد أن حكى عن واقع تجربة السجون الإسرائيلية، وجمع المخرج في فيلمه بين تجربة الأسر الذاتية ومزجها بمشاهد تمثيلية استعان فيها بمجموعة من الأسرى الحقيقيين، خاضوا أيضًا تجربتهم الأولى في مجال التمثيل.

اختار رائد أنضوني سجن “المسكوبية” الذي يقع شمال مدينة القدس ليكون نموذجا لسجن بناه لتصوير فيلمه، واختار المخرج مجموعة من الأسرى الحقيقيين ليبنوا الأسوار الخشبية المغلفة بأبواب حديدية حتى تكون التجربة أكثر واقعية.

المسكوبية هي منطقة تعود فترة إنشائها إلى نهاية الحقبة العثمانية في فلسطين وبنيت على الطراز الكلاسيكي من قبل الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية، وبدعم من قيصر روسيا لخدمة الحجّاج الروس إلى الأرض المقدسة.

وتمتد المسكوبية على مساحة 68 ألف متر مربع بين شارع يافا وشارع الأنبياء على بعد مئات الأمتار من سور القدس، وتضم بداخلها مجمّعا لكنيسة أرثوذكسية روسية كبيرة، وقد حولت بريطانيا جزءًا من هذا المجمع إلى مقر للشرطة ومركز للتحقيق بعد احتلالها للقدس عام 1917 لتبقي إسرائيل على هذا الوضع منذ استيلائها على غرب المدينة عام 1948.

يبدأ مخرج الفيلم، الذي تعرّض للأسر في عمر الخامسة عشرة على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، في تجميع هؤلاء الذين يساعدون جميعًا في بناء هذا السجن التخيّلي وبين هذه المشاهد يحكي كل من هؤلاء عن مرارة تجربة الأسر بقسوتها وكيف تركت بداخلهم شروخًا ربما جعلت بعضهم في عدد من المشاهد تملأ عيناه الدموع.

ونجح أنضوني في جمع طاقم من سجناء سابقين بعد أن وضع إعلانًا صغيرًا في إحدى الصحف في مدينة رام الله، طلب فيه سجناء سابقين يملكون خبرات في الهندسة المعماريّة أو المقاولات العامّة أو التمثيل.

الفيلم يحمل بعدا إنسانيا يتمثل في تحويل التجربة الذاتية المؤلمة إلى حادث يفرز طاقات إبداعية

يرى المشاهد عمليّة جمع طاقم العمل في المشاهد الأولى من الفيلم؛ يجلس أنضوني إلى مكتب أبيض متهالك يستجوب السجناء السابقين عن خبراتهم، بالطريقة نفسها التي قد يستجوب بها بعض العملاء الإسرائيليين السجناءَ عن انتماءاتهم السياسيّة، وعلى طول النسق الدرامي للفيلم لا تغادر الكاميرا الغرفة الرماديّة وتستعرض شهادات عدد من المعتقلين السياسيّين السابقين.

تحمّل البطل الرئيسي بالفيلم الذي يلعب دوره الفنان رمزي مقدسي، العبء الأكبر في هذا العمل فأغلب المشاهد انصبّت نحوه باعتباره يجمع بين التجربة الذاتية والتمثيل الاحترافي.

وهنا يجسّد مقدسي عددًا من آلامه مثل أن يعصب رأسه ويربط بحبل يسحب من خلاله وكأنه يشبه “الحيوان” أو أن يتبوّل لا إراديًا بعد أن فقد التحكم بجهازه العصبي عقب مرور يومين عليه.

في مشاهد أخرى تقوم قوات الاحتلال بضرب مقدسي وسحبه على الأرض، ويلقون عليه وابلا من الشتائم والسباب بعد اتّساخ مكان الحجز. وتنتقل الكاميرا بعدها لأسير آخر يتذكر لحظات محاولة تحرش إحدى جنديات الاحتلال به وقيامها بسبّ خطيبته.

ورصد أنضوني بفيلمه تجربة تبدو أكثر اختلافا بين الأعمال السينمائية الفلسطينية التي ناقشت قضية الصراع التاريخي بين الطرفين، فأغلب الأفلام انصبّت دائمًا نحو مشاهد الثورات وتتوقف عند لحظات الأسر أو تمرّ على تفاصيلها المؤلمة بشكل عابر يعكس ما تغلغل فيه مخرج “اصطياد أشباح” في هذا العمل.

أنضوني، الذي يشارك بفيلمه ضمن برنامج “آفاق السينما العربية” المقام على هامش مهرجان القاهرة السينمائي، أراد أن يجعل تجربة الأسر واقعا يعيشه المشاهد بكل تفاصيله المؤلمة في رحلة امتدّت على مدار ساعة ونصف من الزمن، ويتمثل ذلك من خلال تجربة “الكلوستروفوبيا” وهي حالة مرضية يشكو المصابون بها من الاضطراب النفسي الذي يصاحبها خلال الاحتجاز في مكان ضيق.

يتقن مخرج العمل وطاقمه الفني بلورة حالة “الكلوستروفوبيا” بجودة عالية في أقوى مشاهد الفيلم والذي يجلس فيه بطله رمزي مقدسي معصّب الرأس وتكون يداه خلف ظهره مكبّلتين بالأساور الحديدية، جالسًا على كرسي حديدي حافي القدمين، وهنا تزداد أنفاسه بقفزات وضربات قلب عالية مع توتّر حركة جسده ليتغلغل المخرج أيضًا في تجربته ويرصد الاضطراب الذي يتخيله الأسير في عقله لينقله إلى المشاهد.

يحمل الفيلم بعدًا إنسانيًا مهما يتمثل في تحويل التجربة الذاتية المؤلمة إلى حادث يفرز طاقات إبداعية ويتغلب على مرارة مشاهد التعذيب برغم قساوته، فليس من السهل أن يعيد الأسرى تجربتهم الذاتية في مشاهد يجسّدونها على أرض الواقع من جديد وأن يحوّل هذا الشبح الأسود “السجن” إلى مسرح صغير يفرز طاقات أصحابه التي قام منذر الجوابرة وهو الوحيد الموجود بالعمل ولم يتعرض لتجربة الأسر، بتصميم صور تشكيلية وضعت على جدران الحوائط.

بخلاف ذلك اتخذ مخرج العمل فكرًا تنويريًا غير مباشر في الأحداث، ربما يحمل بعدًا فلسفيًا أيضًا، فسجن المسكوبية الذي يضم مناطق تعد أثرية وتاريخية حوّله أنضوني في سجنه التخيّلي إلى مؤسسة ثقافية تفرز موهبة الفنان التشكيلي والممثل.

ووظف العمل كادرات سينمائية توظيفا جيدًا بعد أن ارتكزت على زوايا “زوم” أو التركيز على وجوه أبطالها مع حركة سريعة في مشاهد الضرب والتعذيب التي ترتكز على بعض الأعضاء الجسدية، مغلفًا بالإضاءة المعتمة واللوحات التعبيرية “التشكيلية”.

ويؤخذ على الفيلم بعض الإقحامات غير المبرّرة، أبرزها زيارة إحدى السجينات الصغيرات لهذا المكان التخيّلي ورؤيتها أنها تعرضت للأسر لمدة عام ونصف دون الدخول في تفاصيل أو عمق شخصيتها.

ولأن المعاناة الذاتية تَخَلَّق المزيد من الإنسانية لدى الكثير من أصحابها، استعان رائد أنضوني بطبيب نفسي خلال تصوير فيلمه حتى يحافظ على مراحل انهيارات أبطاله في تذكرهم لمشاهد التعذيب كما أورد شرطًا في التعاقد مع أبطاله يتضمن إمكانية تركهم التصوير في حال عدم مقدرتهم على استكماله.

ونجح فيلم “اصطياد أشباح” في الحصول على جائزة أفضل فيلم تسجيلي بقسم البانوراما التسجيلية في مهرجان برلين السينمائي الـ67 بعد أن قدم تجربة استثنائية فريدة تحلّق في فضاء مختلف عن الأعمال النمطية في معالجة قضية الصراع على أرض فلسطين، وما يزيدها إشراقا برغم عتمتها الحفاظ على هويتها كفيلم توثيقي دون إقحامها وتحويلها إلى عمل روائي متكامل.

كاتبة من مصر

15