اصنع فرصتك ولا تنتظرها

الاثنين 2016/08/01

أمر يومياً على حارس العقار، ألقي السلام فيرد بتثاقل يفرضه العمر، ويلتقط مني البعض من الحقائب البلاستيكية التي تحتوي حاجياتي المنزلية وعند باب شقتي تنتهي الكلمات لتولد غيرها في اليوم التالي ويتكرر المشهد مع بقية السكان، مشهد عادي لا ينجب سوى بضع كلمات تتابع دون جهد بطريقة عفوية من الرجل الستيني “المعتل جسدياً”، تتلاحق أنفاس الرجل مع كل واحدة من درجات السلم. ولكن ما يثير الحفيظة ويدعوني أنا شخصياً للتذمر، بل حتى أرفض أن يحمل هذا المسن المريض حقائبي، وإلى جواره فتى قوي البنيان مفتول العضلات لا يحرك تكرار مشهد أبيه حاملاً الحقائب متململاً شاكياً آلام عموده الفقري وأوجاع الزمن، ساكناً لديه ولا يدعوه لنوبة ضمير يحمل فيها عن أبيه وجع السنين.

لا يفعل في يومه شيئاً غير الجلوس على “دكة” أبيه والتنهد على سنوات عمره المهدرة خلف كتب الدراسة والاجتهاد، أثار حفيظتي ذات يوم الرجل المسن رابطاً ذراعه اليمنى بضماد سميك متأوها ويمارس تنظيف السيارات وحمل الحقائب باليد اليسرى، تحدثت مع الفتى كثيراً محاولة استمالة قلبه ليرق لحال أبيه دون جدوى، رافضاً النزول بنفسه لما وصفه بأعمال تافهة لا ترتقي لمثله من أصحاب الشهادات والعجيب أن الأب ذاته يقاسمه الكلمات ويتشارك معه بنعت مهنته بالوصف ذاته “أعمال تافهة”، وأن هناك مستقبلاً أفضل ينتظر الشاب لا يجوز إفساده بقبول مهن هامشية.

الغريب أنه حاصل على مؤهل متوسط فقطـ، فلا ماجستير ولا دكتوراه ولا أبحاث غيرت تاريخ البشرية، بالقطع لا أسفه أو أقلل من شأن المؤهلات المتوسطة على الإطلاق، بالعكس أنا شخصياً أحترم التعليم الفني الذي تقع على عاتقه مهمة بناء مجتمع لم يتعاف بعد، ولكن ما أرفضه هو جلوس البعض في المقاهي والارتكان إلى مجرد أوراق مزركشة تزدان بها الحوائط تحت مسمى حملة المؤهلات، دون أن يصنع الشخص حياته بنفسه، يقتنصها ويسعى إلى تغيير واقعه، الفرصة لا تأتي لأحد ولا ينبغي انتظارها فالسماء لا تمطر فرصاً، بل يجب السعي وراء الحلم والإمساك به وتكرار التجارب حتى يتحقق واقعاً ملموساً.

أمامي الكثير من النماذج الرائعة التي غيرت واقعها واشتغلت بكافة الوسائل والإمكانيات المتاحة واستغنت عن غير المتوفر منها وطوعت الموجود بالفعل.

أثناء زيارتي لمدينة ساحلية وفي أحد مطاعمها لفت نظري تعامل شاب عشريني بلباقة شديدة مع سيدة تنمّرت على النادل، كالت له السباب وكادت تتطاول عليه بالضرب، وكان لتدخل الشاب مفعول السحر على المرأة وامتصاص ثورتها، تحدثت إلى الشاب معجبة بقدرته على التعامل الدبلوماسي، وكانت لي زيارات متعددة لهذا المطعم تسمح لي بهامش معرفة بالشاب الذي أوضح أنه خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية لم يستطع تحقيق حلمه بالعمل في السلك الدبلوماسي رغم تفوقه العلمي، نظراً لمهنة أبيه التي تراها وزارة الخارجية غير لائقة بوالد دبلوماسي، وبدلاً عن التباكي على الحلم المسفوح حفر الشاب بأظافره في سوق العمل وأحب مهنته وأعطاها الكثير، لكنه مازال يحمل بداخله الحلم عسى أن يتغير واقعه يوما ما، وفي كل يوم يبحث عن فرصة جديدة دون الانسلاخ من واقعه.

الغريب أنك لا تشاهد شابا أو تتحدث معه إلا وتجد فكرة الهجرة مسيطرة عليه ومن لا يفكر في الهجرة يحلم بالسفر والعمل في الخارج، ويبذل في بلاد الغرب الجهد ويسيل العرق ويقبل بأعمال كان ينكرها على أرض بلاده، ومنها غسل الصحون والعمل في المطاعم والمحال وقبول ما يصفه بـ”مهن تافهة”.

ينبغي على الأقل أن نصنع فرصتنا بأيدينا بدلاً من انتظار الحلول من السماء، ولا نجلس على طاولة الحلم نبسط أيدينا لفرصة ناضجة تسقط علينا كتفاحة الجنة.

كاتبة من مصر

21