اضحك.. إنها الكاميرا الخفية

السبت 2017/06/10

لم أتابع سوى حلقة واحدة من حلقات برنامج “رامز تحت الأرض”، من خلال مشاهد متقطعة كانت تصلني فيها صرخات (الضحايا) إلى المطبخ وأنا أعد طعام الإفطار. وهذا سيكون أسوأ خيار لمشاهد صائم ينشد الهدوء والسكينة، في أيام معدودات يقضيها في صيام وصلاة وتأمل روحي وسلام نفسي.

استطاع رامز جلال، الممثل الذي تخلى عن موهبته في لعب الأدوار الكوميدية لصالح دور مهرج في برنامج استهلاكي، أن يصل بسلسلة برامجه سنويا إلى نسبة مشاهدة عالية جدا مقارنة بسيل البرامج والمسلسلات التي تقفز في وجه المشاهد خلال ثلاثين يوما من كل عام، هذا الذي يعد نجاحا جماهيريا في نظر البعض، ليس سوى صوت نشاز ومزعج قد تحدثه قطعة فلين على سطح خشن!

البرنامج الأضخم على مستوى الميزانية والعائدات، يعتمد على تعنيف الضيف – النجم وترويع المشاهد-البسيط، وهو في المحصلة مزحة ثقيلة تعتمد استفزاز وإهانة وإيذاء مشاعر الطرفين.

ومع ذلك، فإن نسبة المشاركة والمشاهدة باتت في تزايد مستمر، فإذا كان الإغراء المادي هو الأسلوب الذي يتم من خلاله تطويع الضيف للقبول بأن يكون (فرجة) للآخرين، فكيف يتم سحب المشاهد ليكون شريكا في عرض تهريجي كهذا؟

ثمة مسافة نفسية تقع بين الخوف الافتراضي، الذي تمثله مشاهدة بشر يقعون ضحية لمواقف رعب وعنف، وبين الخوف الحقيقي الذي يعيشه الفرد في حياته الواقعية أو يشارك فيه؛ في الحالة الأولى يقبع الخطر في مكان قصي لا يمكنه أن ينال منا وهذا مصدر للشعور بالأمان، فيما تتعذر مواجهة الخطر أو تجنبه في الحالة الثانية الواقعية.

الاستمتاع والإثارة اللذان يقدمهما هذا النوع من البرامج يعملان على تطمين مخاوفنا الحقيقية، لكنه شعور مؤقت ومزعج لا يمكن تفسيره ولا يمكن تبريره. تقوم هذه البرامج على مبدأ التلصص على الناس من دون علمهم بواسطة كاميرا خفية أو إظهار الكاميرا لتوحي بتصوير مواقف مموهة لا تشي بغرض القائمين عليها، ثم يتبعه إيقاع الضيوف في فخ العنف وتعريضهم إلى مواقف غريبة وشاذة بغية استجداء ردود أفعال المشاهد الذي يراقب خلف الكاميرا.

تشير بعض المصادر إلى أن الإذاعي الأميركي ألن فانت، كان أول من ابتدع هذه الفكرة في برنامجه “الميكروفون الخفي” العام 1947، ثم نقل فكرته ليقدمها للتلفزيون في العام الذي أعقبه على محطة تلفزيون CBS، بعنوان “كانديد كاميرا” ويعد أول برنامج تلفزيوني واقعي كان يعتمد على ردود أفعال الناس في الشارع ورصدها بوساطة كاميرا غير مرئية بالنسبة إليهم.

استعان فانت في بعض الحالات بالمشاهير وكان يدبّر لهم المقالب والمكائد وأحيانا بمعاونتهم، حيث كان يعمد إلى إثارة كل ما هو مضحك وصريح وعفوي في ردود أفعال الناس، وحين يكشف لهم في النهاية عن حقيقة المقلب يسارع باستخدام عبارته المشهورة “اضحك، إنها الكاميرا الخفية!”.

استمر البرنامج الشهير بوجوه مقدمين آخرين ومواضيع متنوعة حتى وفاة مخترعه أواخر التسعينات من القرن الماضي، لكنه حافظ على مبدأه في تقديم الطرفة والابتسامة للمشاهد حتى مع تنوع أساليبه وتطورها عبر عقود طويلة من بثه، وبعد أن تم تطبيق نسخته الأصلية في أنحاء العالم مع بعض الإضافات.

كانت الفكرة نبيلة في أولها، هدفها إيقاع الضيف والمشاهد في شرك ابتسامة عريضة وضحكة من القلب، لكنها تحولت بالتقادم إلى ممارسة سادية تتناسب مع صورة الزمن القاتم؛ الإيقاع بالضيف في الوحل وإيقاع المشاهد في حيرة وترقب وقلق من احتمال أن يكون هو نفسه الضيف والضحية المقبلة التي ستقع في هذا الوحل!

كاتبة عراقية مقيمة في لندن

21