اضطرابات هيكلية تقوض قواعد صناعة النفط

انهيار الطلب والمساعي الدبلوماسية بين السعودية وروسيا أديا إلى ردود فعل غير مسبوقة من الحكومات والمستثمرين لتظهر مؤشرات خطيرة على ما تعانيه صناعة النفط.
الجمعة 2020/03/27
طلب شحيح

تزايدت المؤشرات على اتساع تداعيات صدمتي انتشار فايروس كورونا واندلاع حرب أسعار النفط، لتصل إلى كافة مفاصل صناعة النفط، التي أصبحت تعاني من اضطرابات هيكلية يصعب علاجها في المنظور القريب.

لندن- دخلت صناعة النفط العالمية نفقا طويلا نتيجة تعرضها لضربات متزامنة، أدت إلى فقدان الأسعار لأكثر من نصف قيمتها، لتصل إلى مستويات تقل عن تكلفة إنتاج الكثير من الإمدادات.

وتعرض القطاع في الشهر الحالي إلى صدمتين في آن واحد حين أدى وباء كورونا إلى انحدار استهلاك الوقود في العالم ثم اندفاع السعودية لإغراق الأسواق المتخمة أصلا بأقصى طاقة إنتاج ممكنة لتخوض حرب أسعار مع منافسيها.

وأدى انهيار الأسعار، الذي قوض الجدوى الاقتصادية لجانب كبير من الإنتاج العالمي، إلى دفع شركات الطاقة على مستوى العالم إلى خفض إنفاقها بعشرات المليارات من الدولارات.

وقد أدى انهيار الطلب والمساعي الدبلوماسية بين السعودية وروسيا وغيرهما إلى ردود فعل غير مسبوقة من الحكومات والمستثمرين لتظهر مؤشرات خطيرة على ما تعانيه صناعة النفط من اضطراب.

أكبر الصدمات كانت موقف السعودية الهجومي الذي اتخذته بعد انهيار المحادثات مع روسيا في أوائل مارس بخصوص اتفاق لخفض المعروض العالمي من أجل التخفيف من أثر انتشار فايروس كورونا على الطلب.

فقد خفضت الرياض أسعار التصدير وقالت إنها ستضخ كمية قياسية من النفط تبلغ 12.3 مليون برميل يوميا فيما يمثل إغراقا للسوق التي تحتاج إلى كميات أقل. وحشدت أسطولا من السفن للتصدير مستهدفة مصافي التكرير التي تشتري الخام الروسي وكذلك الولايات المتحدة، الأمر الذي أدى إلى محو هوامش الربح للصادرات الأميركية.

وكانت الصدمة أكبر لأن هذه الخطوات اتخذها منتج ظل لسنوات يلعب في صناعة النفط دورا أشبه بدور البنك المركزي، حيث كانت السعودية لعشرات السنين تعدل إنتاجها أكثر من أي منتج آخر من أجل تحقيق التوازن في الأسواق.

موقف السعودية الهجومي الذي اتخذته بعد انهيار المحادثات مع روسيا كان أكبر الصدمات
موقف السعودية الهجومي الذي اتخذته بعد انهيار المحادثات مع روسيا كان أكبر الصدمات

ولجأ المنتجون في تكساس الأميركية إلى السلطات التنظيمية وطلبوا منها التدخل لخفض الإنتاج، وهو تحرك غير مسبوق منذ آخر تدخل في الأزمة النفطية عام 1973.

وتلقى رايان سيتون، أحد ثلاثة مفوضين بالولاية في الهيئة التي تتولى تنظيم صناعة النفط، مكالمة من الأمين العام لمنظمة أوبك لبحث الوضع في السوق. وقال سيتون إن تكساس قد تدرس خفض الإنتاج بنسبة عشرة في المئة، ربما بالتنسيق مع تلك المنظمة.

وقبل الآن كان منتجو النفط الصخري الأميركي، لا يجرؤون على التفكير في إجراء تخفيضات منسقة خوفا من انتهاك قوانين مكافحة الاحتكار في الولايات المتحدة. وشهد الأسبوعان الماضيان ثلاثة من أسوأ الانخفاضات في سعر النفط، الذي فقد 24 في المئة في 9 مارس ثم 11 في المئة في 16 مارس ونحو 13 في المئة في 18 مارس.

وتتدهور حالة وقود الطائرات بسرعة إذا ما طال بقاؤه في مستودعات التخزين وبعدها لا يمكن استخدامه، بعد تعطيل أساطيل شركات الطيران في مختلف أنحاء العالم، حتى أن شركات كبرى منها بي.بي ورويال داتش شل سعت لاستئجار سفن لتخزين الكميات غير المطلوبة من وقود الطائرات.

والاثنين، سجلت هوامش إنتاج البنزين في الولايات المتحدة سعرا سلبيا في ختام التعاملات، وهو ما يعني أن شركات التكرير ستمنى بخسائر عند شراء النفط لتصنيع البنزين.

وفي العادة يكون البنزين محرك قطاع الطاقة، إذ يمثل وقود وسائل النقل معظم الطلب العالمي على النفط. وانخفض الهامش إلى ناقص 1.11 دولار للبرميل مسجلا أدنى مستوى منذ 2008.

وتمسك إيغور سيتشين، الرئيس التنفيذي لشركة روسنفت، بعدم تقديم تنازلات في وقت تواجه فيه صناعة النفط الصخري الأميركية الانهيار. وقال إن أسعار النفط قد تعود إلى مستوى 60 دولارا للبرميل “إذا خرج النفط الصخري من الأسواق”. وقال منافسه ليونيد فيدون، أحد الشركاء في شركة لوك أويل، “هذه ستكون حرب حتى النهاية”.

يبدو أن إمدادات الذرة والسكر سترتفع هذا العام مع إقبال الموردين على تقليل كميات الإيثانول التي يتم خلطها بالبنزين. وتعمل شركات مثل شركة تيروز الفرنسية على تحويل إنتاج الإيثانول إلى الاستخدامات الصناعية مثل المطهرات اليدوية، في حين يهدف منتجو السكر في البرازيل إلى زيادة إنتاجه بدلا من الوقود.

صدمتا تراجع الطلب بسبب تفشي فايروس كورونا وإغراق السعودية للأسواق قوضتا أركان صناعة النفط العالمية

وتفاقمت التقلبات في أسواق النفط في الوقت الذي تبقى فيه شركات النفط خارجها. وهذا يتيح الفرصة للمضاربين ولتحركات سريعة في الأسعار، حتى أن الأمر وصل إلى حد وقف التعاملات بعد انتهاء ساعات التداول الرسمية.

وقال متعامل في سوق المعاملات الآجلة “سوق مجنونة. لا أدري كيف أتعامل فيها”. وأغلقت شركة توتال الفرنسية العملاقة مصفاة جراندبوي الواقعة خارج باريس في أوائل مارس لإجراء أعمال الصيانة. وعندما حان وقت استئناف تشغيل المصفاة التي تبلغ طاقتها 102 ألف برميل يوميا غيرت توتال رأيها.

وضعف الطلب بسرعة إلى درجة أنها فكرت في استمرار وقف العمل فيها. وفي حين أغلقت مصافي تكرير أخرى عمدت مصافي التكرير الكبرى خارج لوس أنجلس وكاليفورنيا إلى تقليص الإنتاج بسبب ضعف الطلب.

وقررت إيطاليا، إحدى أكثر الدول تضررا من وباء كورونا، إغلاق محطات الوقود. وقالت شركات التشغيل إنها بدأت تغلق المحطات على الطرق السريعة في 25 مارس لأنه أصبح من المستحيل ضمان معايير السلامة الصحية ومواصلة العمل.

11