اضطراب الهوية الجنسية حقيقة تنكرها المجتمعات العربية

قضية التحول الجنسي تثير جدلا واسعا في المجتمعات العربية حيث لا يزال قرار مواجهة تنامي "مرض" الاضطراب الجنسي مؤجلا.
السبت 2019/03/16
من أكون؟

تعني الهوية الجنسية إحساس الفرد بنفسه، وهو ذلك الإحساس المتولِّد من التوافق بين البنية الدماغية في فترة التكوين الجنيني وبين جنسه التشريحي، وتتكون تلك البنية الدماغية داخل المخ ويُطلق عليها مصطلح “الخطوط الجندرية/ الجنسية”، وهي المسؤولة بشكلٍ مباشر عن تعريف الهوية الذاتية للشخص، وتلك لا يُمكن تغييرها. وفي حالة اضطراب الهوية الجنسية يُعاني الشخص من حالة عدم التوافق بين جنس المخ -أو البنية الدماغية (الخطوط الجندرية)- وبين تشريحه الجسدي، وينعكس ذلك التعارض على حياته بشكلٍ عام، مُسببًا له رفضًا لطبيعة جسده يظهر في صورة ضيقٍ نفسي شديد لما هو عليه.

تظل مشكلة المضطربين في تحديد الهوية الجنسية قابعة داخل عيادات الأطباء النفسيين، حتى تصل إلى مرحلة إجراء عملية التحول النوعي، وتنقلب إلى أزمة مجتمعية مع مشكلات تقنين أوضاعهم وفقًا لظروفهم وما يحيط بها من مستجدات، وكيفية التعامل معهم حال ارتكاب جرائم، أو التقدم لوظائف تتطلب تحديد نوع الجنس، أو دخولهم في علاقات طبيعية كالزواج، هنا تتفجر تلال من المشكلات المجتمعية.

وعادت قضية التحول الجنسي مع طرح هيفاء ماجيك، المتحوّلة وشبيهة المطربة اللبنانية هيفاء وهبي، أول فيديو كليب لها بعنوان “أنا مجنونة” وتحقيق أغنيتها “جننتهم يا أنا” عشرة ملايين مشاهدة على موقع يوتيوب.

ولا يزال الجدل المشتعل عربيًا مستمرا منذ استضافة الإعلامي اللبناني نيشان عددا من المتحولين جنسيا عبر برنامجه “أنا هيك” وعبروا فيه عن تجاربهم بصورة أثارت التعاطف معهم، ولم تخل من الهجوم على نظرة المجتمع السلبية لهم، والتي اعتبروها دافعًا وراء تصميمهم على التحول الكامل.

تثير الشهرة التي يكتسبها المتحولون جنسيًا المخاوف من إمكانية تقليدهم من قبل المراهقين في المجتمع المحيط بهم، فالكثير ممن يتحولون من ذكور إلى إناث يجرون غالبا عمليات تجميل ليشبهوا أشكال مطربات مشهورات، لهن شعبية واسعة بين صغار السن.

يخلق المتحولون جنسيا هالة معنوية حولهم، مثل الجزائرية جاد وهبي التي تحظى بمتابعة واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، والراقصة المغربية نور، وكانت محل اهتمام من الجمهور في افتتاح مهرجان مراكش السينمائي الدولي الأخير، والمصرية ملك الكاشف التي أثارت جدلاً حقوقيا بعد إلقاء القبض عليها بتهمة التحريض على التظاهر وتكدير السلم العام في المجتمع.

منظمة الصحة العالمية توقفت عن تصنيف التحول الجنسي كاضطراب عقلي

وتحظر غالبية الدول العربية جراحات التحول الجنسي، لكن الراغبين في إجرائها يسافرون إلى الخارج مباشرة حال امتلاكهم الملاءة المالية، ويتواصل البعض منهم مع منظمات حقوق الإنسان الدولية طالبين اللجوء تحت ذريعة الاضطهاد الجنسي، ما يشكل أزمة لبلدانهم، ويعرضها للهجوم بحجة التضييق على حق الإنسان في امتلاك جسده والتصرف فيه.

كل ذلك لا يمنع إمكانية إجراء هذه الجراحات في بعض المستشفيات تحت مسمى عمليات تجميلية أو جراحات تصحيح العيوب الخلقية وعلاج تشوهات منطقة الحوض، وتشمل زرع الأعضاء واستئصالها وتكبيرها ونحت القوام.

تشير أزمة التحول الجنسي إلى غياب ثقافة تربية الأبناء، فالأسر لا تلتفت إلى المشكلة إلا بعد وصولهم إلى مرحلة البلوغ، وتستخدم العنف البدني واللفظي كوسيلة لتجنب الفضيحة، ما يدفع الأبناء إلى الانتحار أو امتهان مهن وضيعة، كالدعارة بحثا عن المال لتنتج مشكلات مجتمعية أشد خطورة.

خلاف حاد

قال الدكتور محمد فتحي، استشاري الطب النفسي، لـ”العرب” “بعض المجتمعات التقليدية تسبب اضطرابات في تنشئة الأبناء مع سيادة ثقافة الحسد لتقدم على إجبار الذكور على ارتداء ملابس الفتيات، وأحيانا ارتداء قرط ذهبي في الأذن، واللعب بألعاب البنات والإفراط في المعاملة اللينة التي لا تناسب طبيعة الشخص المستقبلية، ما يصيبه باضطراب في هويته”.

تكشف مشكلات التحول الجنسي النظرة الدونية للمرأة، فأقارب المتحولين جنسيا يرفضون تماما تحول الرجل إلى أنثى، لكنهم قد لا يظهرون الامتعاض ذاته عند حدوث العكس، مع استمرار النظرة المجتمعية للمرأة كمقابل للعار والفضيحة وإثارة الشهوانية الجسدية.

ويوجد خلاف بين الأطباء حول اعتبار التحول الجنسي من الأمراض العضوية التي تتعلق بخلل في تركيبة الجسد داخليًا أو مشكلة في الهرمونات، أو مرض عقلي صرف يمكن أن ينتهي بالمداومة على جلسات العلاج النفسي لمدة لا تقل عن عامين.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية منتصف العام الماضي التوقف عن تصنيفها التحول الجنسي اضطرابا عقليا في التصنيف الدولي للأمراض “آي.سي.دي”، وأقرت بأن التناقض بين الجنسين حالة صحية جنسية بهدف الحد من وصمة العار التي تلاحق المتحولين جنسيا.

وأضاف فتحي، لـ”العرب”، أن بعض المضطربين جنسيًا يلجأون إلى التحول الجنسي بهدف الشهرة أو التقليد أو تحقيق التوافق الاقتصادي، كرغبة الفتيات في الحصول على مساحات من الحرية، أو الاستجابة لاشتراطات أسواق العمل حيث يتركز الطلب على إناث أكثر من الذكور في بعض الاختصاصات.

ملف الهوية الجنسية يثير  لغطا في المجتمعات التي لا تفرق بين الهوية الجندرية، سواء كان ذكرا أم أنثى، وبين التوجه الجنسي الذي يعني إلى أي نوع ينجذب الإنسان
ملف الهوية الجنسية يثير  لغطا في المجتمعات التي لا تفرق بين الهوية الجندرية، سواء كان ذكرا أم أنثى، وبين التوجه الجنسي الذي يعني إلى أي نوع ينجذب الإنسان

ويثير ملف الهوية الجنسية ذاته لغطًا في المجتمعات التي لا تفرق بين الهوية الجندرية، سواء كان ذكرًا أم أنثى، وبين التوجه الجنسي الذي يعني إلى أي نوع ينجذب الإنسان، وبالتالي يتم وضع المخنثين (الذين يمتلكون أعضاء الجنسين معا) والمثليين في كفة واحدة، مع المتحولين جنسيا حتى لو كان سبب تحولهم عضويا بحتا.

وقد يلعب الجانب الاقتصادي دورا في التحول الجنسي، فبعض الذكور المنتمين إلى أسر ثرية توقفوا عن إجراء العملية الجراحية خوفا من الحصول على نصف الميراث فقط كالنساء، وهناك حالات أخرى تضمنت فتيات، شجعت كل واحدة منهن شقيقها الوحيد على إجرائها ليزدن من نصيبهن في تركة الأب المتوفى.

وتلجأ بعض الأسر إلى رجال الدين لمواجهة الأزمة، لكن ذلك قد لا يمثل حلاً ناجعا، فالبعض من المتحولين جنسيا يقتنعون دينيا بما يفعلونه، مثل الشاب الذي أثار جدلاً قبل عامين إثر ظهوره بالحجاب باسم فاطمة، في برنامج تلفزيوني لبناني، مقدّما نفسه على هيئة امرأة محجبة مقتنعة بضرورة تغطية شعرها.

النموذج والقدوة

أوضح الدكتور محمد عادل الحديدي، أستاذ الطب النفسي، أن مضطربي الهوية الجنسية يعانون من أمراض نفسية، لكنها تتفاعل مع مشكلات اجتماعية مثل الطلاق وسفر الأب وغيابه فترة طويلة، ويبدأ الطفل الذكر الذي يعتبر والده المثل والنموذج والقدوة البحث عن نموذج بديل للتقمص، فإذا وجد أمامه الأم فقط أو شقيقات يندمج معهن ويشعر كأنه واحد منهن.

ولا يمثل غياب الأب العامل الرئيسي في اضطراب الهوية الجنسية، فقد يكون حضوره عاملاً مسببًا له، فإذا كان قاسيًا وعنيفًا يبغضه الأبناء ويكرهون الجنس الذكري كله بسببه.

وأضاف الحديدي لـ”العرب”، أن بعض العائلات تفتقد إلى ثقافة التعامل الجيد مع الجنسين في التربية، فتعامل البنت الصغيرة مثل الولد في الملابس أو قص الشعر، وعندما تظهر علامات الأنوثة يضغط عليها أفراد الأسرة لتتصرف كفتاة في الحديث أو السلوك، بعد أن زرعوا بداخلها إحساسًا ينافي طبيعتها، ما يخلق صراعًا نفسيًا داخلها.

يحتاج العلاج النفسي إلى مدى زمني طويل، لتصحيح المفاهيم عن الجنس وعلاج الصراعات الداخلية، وغالبا ما يستجيب نحو 70 بالمئة من الخاضعين للعلاج، بينما تصر نسبة 30 بالمئة منهم على التحول الجنسي الكامل.

ويلجأ الأطباء إلى العلاج الهرموني لتعويض المضطرب نفسيا ومنحه فترة اختبار ليعيش مثل الجنس الآخر، تتراوح بين 6 أشهر وعام كامل، والكثير من المضطربين نفسيا يخرجون من التجربة كارهين التحول ويرضون بحياتهم ويستكملون العلاج السلوكي ومن يقرر المواصلة يخضع لعملية التحول الجنسي، وفي كل الحالات تكون النتيجة وبالا على المجتمع.

ويتفق خبراء في علم الاجتماع على أن الرقابة الأسرية منذ عمر ثلاث سنوات ضرورية لمنع اضطراب الهوية الجنسية، مع انتشار الهواتف المحمولة في أيدي الأطفال في أعمار مبكرة، وتزايد أعداد المواقع الإباحية التي تعزز أفكار الشذوذ وتوحي للبعض منهم بعجزهم وضعفهم، ما يدفعهم إلى الميل نحو التحول الجنسي.

الرقابة الأسرية منذ عمر ثلاث سنوات ضرورية لمنع اضطراب الهوية الجنسية، مع انتشار الهواتف المحمولة في أيدي الأطفال في أعمار مبكرة

أشارت الدكتورة سوسن فايد، أستاذة علم الاجتماع، إلى أن المجتمعات العربية امتصت صدمة ظاهرة التحول بين الجنسين على مدار السنوات الماضية، ولم تعد مستغربة حتى مع تناميها داخل دول دينية محافظة، لكن درجة التقبل لمن يخضع لها لم تتغير بين المواطنين فلا تزال سلبية باعتبار ذلك أمرا منافيا للفطرة الإنسانية.

وتتعرض بعض الأسر لمشكلات مجتمعية بسبب مضطربي الهوية الجنسية، وتضطر إلى تغيير محل الإقامة والتوجه إلى أماكن بعيدة عن المعارف، ويصل الحال بالبعض إلى تلقي تهديدات بالقتل من الأقارب، بذريعة “غسل العار” قبل معايرة الأسرة بسلوك أحد أفرادها.

وأكدت لـ”العرب” أن بعض المجتمعات العربية لم تتخذ قرارات لمواجهة تنامي مرض الاضطراب الجنسي حتى الآن، مع أن الأمر لا يتطلب أكثر من حملات توعوية إعلامية وثقافية رسمية للأطفال بتعريفهم هويتهم الجنسية وتشجيعهم على الانخراط في أنشطة رياضية وحتى ألعاب منزلية تناسب جنسهم كحائط صد مبكر يحول دون اضطرابهم جنسيّا.

وولجت بعض عمليات التحول بابا خلفيا للهروب من التجنيد في القوات المسلحة، أو التمادي في التلاعب بشأن حقوق الميراث في ظل عدم حسم الموقف فقهيًا، أو حتى ممارسة المثلية الجنسية تحت غطاء قانوني بعد التحول إلى أنثى.

وتوقفت لجنة تصحيح وتحديد الجنس بنقابة الأطباء في مصر، المكونة من أساتذة متخصصين في الطب النفسي وأمراض الذكورة ورجال قانون ورجال دين، بعد انسحاب ممثل دار الإفتاء من هذه اللجنة قبل عام ونصف العام، اعتراضًا على إصدار تصاريح لإجراء عمليات تحول جنسي دون الرجوع إليه.

وقدمت السينما العربية أعمالا مختلفة عن التحول الجنسي مثل “الآنسة حنفي” أو “السادة الرجال”، لكن المختصين يؤكدون براءتها من تهمة الترويج لتلك الفكرة، واعتبروا الخطورة في أفلام التحريك التي يتم الترويج لها في سن صغيرة، ما يخلق اضطرابًا لدى الأطفال.

ويقبع الآباء فترة طويلة في عيادات الأطباء حيارى، وأعينهم تتحاشى النظر في وجوه الآخرين، وقد يصادفون رجالاً يرتدون زي فتيات من شعر مستعار، ويقتنعون بأنهم سيدات جميلات، والبعض منهم لا تفارقهم المرآة ومساحيق التجميل، وعلى النقيض قد يجد البعض فتيات يعشن في دور الذكور، ويحاولن التستر على سماتهن الأنثوية البارزة عبر الملابس الفضفاضة.

20