اضطراب الهوية.. عندما يقول المسلم "أنا مسلم"

الاثنين 2017/10/09

في أوّل زيارة لي لإندونيسيا قبل سنوات مضت التقيت بشاعر عراقي عاش هناك لمدّة عشر سنوات ونيف. وكانت المصادفة سعيدة طالما يجب أن نصغي إلى الشعراء أولا. قال لي بالحرف ستسمع كثيرا عبارة “أنا مسلم”، لا تَرْتَب، إنها لا تعني أي شيء. خلاصة أدركها شاعر، ثم جعلتُها منطلقا للتفكير ومعاودة التفكير، ثم سرعان ما أدركتُ أن السؤال لا يشمل إندونيسيا وحسب، إنما هو سؤال الإسلام اليوم في كل مكان.

ما معنى عبارة “أنا مسلم”؟ ما معناها حين تقال مرات تلو المرات، بسبب أو دون سبب؟ هل الإكثار من ترديد الكلمات هو الذي يفرغها من المعنى جراء كثرة الاستعمال؟ أم أن فراغ المعنى هو الذي يجعلنا نكثر من ترديد الكلمات كنوع من التعويض؟ لن أجازف بالإجابة، وعلى الأرجح لا أملك اليقين، لكني سأجازف بتقديم ملاحظات تكميلية. إليكم إحداها.

صديقة فرنسية تعمل في عمادة باريس اشتكت لي ذات مرة بالقول: أعمل في مصلحة إدارية تجعلني أطرح على الأشخاص أسئلة حول الأصل والمنشأ والولادة ولغة الأم وغير ذلك، لكن، حين يهم الأمر أحد المسلمين، فقد ينبري من تلقاء نفسه ليجيبني عن سؤال لم أطرحه ولا يحق لي طرحه فيقول “أنا مسلم”. كما لو أنه يريد أن يقول لي: لم تسأليني السؤال الأهم، ومع ذلك ها أنا أجيبك عنه “أنا مسلم”.

في مستوى اللاوعي الجمعي يشعر المسلم كما لو أن هناك سؤالا مطروحا عليه دائما في كل الأحوال: من أنت؟ بل يشعر بأن السؤال يتعلق بالهوية الدينية تحديدا. ورغم أن إسلامه لن يمنعه من أن يقول “أنا فرنسي” حين يكون فرنسيا، ولن يمنعه إسلامه من أن يقول “أنا أميركي” حين يكون أميركيا، ولن يمنعه إسلامه من أن يقول “أنا إندونيسي” حين يكون إندونيسيا، إلا أنه يُفضل غالبا عبارة “أنا مسلم”. هل فعل “يُفضل” هو الفعل المناسب أم ثمة دوافع تنتمي إلى اللاوعي الجمعي؟ لا تطرح الأسئلة المفتوحة طمعا في أجوبة مغلقة لكنها تُطرح لغاية التفكير.

نفهم معنى أن يكون المرء إندونيسيا أو تركيا أو أميركيا. يعني ذلك أن من حقه مثلا أن يلتحق بالمؤسسة العسكرية ويقاتل ضمن صفوف جيش البلد الذي ينتمي إليه، لكن في هذه الحالة ماذا تعني عبارة “أنا مسلم”؟ ماذا تعني الهوية الدينية حين ينضم المسلم الفرنسي إلى الجيش الفرنسي، أو حين يعمل الجندي الأردني أو اللبناني تحت إمرة ضابط مسيحي؟

ها نحن دفعنا بالوضعية إلى حدودها القصوى لكي نختبرها. هذا إجراء اختباري معقول ومحمود، لكن بوسعنا النظر إلى سائر الوضعيات تباعا. ما معنى عبارة “أنا مسلم” عندما أكون طبيبا عسكريا في بلد متعدد الأعراق والديانات؟ عندما أكون قاضيا للأسرة في بلد يتبنى الزواج المدني؟ عندما أكون جمركيا أو مسعفا أو إطفائيا في أي بلد كيفما كان؟ عندما أكون متطوعا ضمن هيئة أممية للإغاثة الإنسانية؟ ما معنى عبارة “أنا مسلم” عندما أدخل إلى مخدع التصويت الانتخابي مثلا؟ وهل تختلف عبارة “أنا مسلم” عندما أمثل أقلية دينية عن نفس العبارة عندما أمثل أكثرية دينية؟

وفي كل الأحوال لنا الحق أن نتخيل ما نشاء من إجابات. مثلا سمعتُ أحدهم يقول قولا جميلا: المسلم صفة يتصف بها أتباع كافة الديانات التوحيدية الإبراهيمية وفق الدلالة القرآنية. ثم سمعتُ آخر يقول قولا خطيرا: المسلم من بايع الخليفة الفلاني على السمع والطاعة في المنشط والمكره.

في كل الأحوال وبمعزل عن السجال يمكننا القول، حين يكون المسلم جيدا فلا وجود لأي فضيلة يمكنها أن تميزه عن سائر الخلق، وحين يكون المسلم سيئا فلا وجود لأي رذيلة يمكنها أن تميزه عن سائر البشر. هذا هو المؤكد بالحس السليم والخبرة الإنسانية. وإلا فأيّ الرذائل تخصّ من يقول “أنا مسلم” حين يكون تاجر أسلحة مثلا؟ وأي الفضائل تخصّ من يقول “أنا مسلم” حين يكون داعية للسلام على سبيل المثال؟

ثمة قاعدة ندركها بالخبرة: لا نكثر الكلام إلا حين لا نعرف عمّ نتحدّث؟ أفلا يكون جوهر المشكل هنا أننا لا نعرف عم نتحدّث؟ على سبيل المثال، في الخطاب الغربي لا نسمع كلمة الديمقراطية إلا نادرا، لكن يتعلق الأمر في المقابل بممارسة يومية راسخة في المؤسسات والسلوكيات. أما في مجتمعات شمال أفريقيا والشرق الأوسط التي هي مجتمعاتنا بالذات، فلا يُعتبر سياسيا من لا يردد كلمة الديمقراطية في اليوم الواحد العشرات من المرّات، غير أن الأمر يتعلق بكلمة هي الأخرى لم تعد تعني عندنا أيّ شيء.

ليس الإسلام ديانة إيقونات. هذا معلوم بالضرورة. لكن هناك من لا يكتفي بالقول “أنا مسلم” بواسطة الكلمات بل يستعين بالرموز والإيقونات: السبحة (وهي أصلا لم يستعملها الرسول)، الحجاب (والمصطلح أصلا ليس مذكورا في القرآن ولا في الحديث)، زبيبة الصلاة (وهي أصلا لا يحفل بها تراثنا الديني وبالصدفة لا نراها على جباه شيوخ الأزهر مثلا)، ثم وصولا إلى أدعية رنين الهاتف التي قد تبلغ حد الهوس في بعض الأحيان.

لقد سُئل أحد المتصوفة ذات مرة ما لنا لا نسمعك تذكر الله؟ فأجاب كيف أذكره إذا كنت لا أنساه. الذكر والنسيان سيان. بل الذكر المتكرر تعويض عن النسيان المتجذر. هذا الأمر ندركه بالحس اليومي البسيط، لكن ثمة نظرية متكاملة لدى هيغل تحت مسمى مكر التاريخ. بحيث يتحقق الهدف التاريخي أحيانا بأقنعة مضادة. ثمة نظرية أخرى لدى فرويد تجعل الحلم بدوره قد يحقق رغباته بأقنعة مضادة.

وبالعودة إلى الحس اليومي البسيط نلاحظ ما يلي، إن الرغبات الجنسية الأشدّ “خطورة” تعرف كيف تتسلل إلى النفس عبر الأقنعة الأكثر زهدا وورعا. ألا تحيل فتنة الدجال في المتخيل الديني إلى رمزية قناع الورع حين يخفي الدوافع الأشدّ خطورة؟ إنها لعبة الأقنعة بحيث قد يكون الإفراط في الشكل مجرّد غطاء للتفريط في المضمون.

يعود الدين في مستوى السطح ويتراجع في مستوى العمق، أي أن الدين يعود في المظهر وينسحب في الجوهر. هذه الملاحظة لا تثير أي خلاف سوى في أساليب التعبير عنها، وفي سُبُل التفسير أو التبرير. إذ يراها البعض ضعفا في الوازع الديني، ويعتبرها البعض نفاقا دينيا، ويظنها آخرون مؤامرة على الإسلام، وهي سواء أثارت الاستغراب أو الاستنكار أو السخرية فلا أحد ينكرها في الأخير. لكن ليس ثمة من تناقض بين غلوّ الظاهر وفراغ الجوهر، بل ثمة تكامل. الغلو في السطح مجرد تعويض عن خسارة في العمق.

تكمن بؤرة الأزمة في أن الإسلام كما ورثناه، لم يعد قادرا على الإجابة عن تطلعات الأجيال الجديدة. النتيجة النظرية هي غربة الإسلام عن العالم. والنتيجة العملية موجتان دراماتيكيتان: موجة غلو في الدين ترفض هذا العالم الذي لا يلائم الإسلام، تقابلها موجة خروج عن الدين ترفض الإسلام الذي لا يلائم هذا العالم.

ثمة شرخ ثقافي بين الإسلام كما ورثناه ومتطلبات العالم المعاصر الذي نعيش فيه اليوم. بين تينك الموجتين ليس المطلوب هو الوسطية والاعتدال، بل المطلوب بلغة صريحة هو العلاج؛ لأن الأمر متعلق بحالة مرضية بكل المقاييس. إذ نعاني من فصام جماعي بين ما نريده في مستوى الوعي (العالم كما نراه)، وما نريده في مستوى الدوافع اللاواعية (الدين كما ورثناه).

شاهدتُ شبابا مؤدلجا يخلط بين التحرش والسبي. التقيتُ بأشخاص يخلطون بين البغاء وما ملكت أيمانكم، بل يفعلها العشرات من الشيوخ. علمتُ أن أحدهم يطلب المساعدات من الكنيسة ويسميها جزية لإراحة ضميره. سمعتُ شابا سعوديا يسأل شيخه هل يجوز الغش في امتحانات أرض الكفار؟

إننا لا ننتمي إلى حضارة مهزومة وحسب بل ننتمي إلى حضارة مريضة. المرض عضال ويحتاج إلى علاج طويل الأمد. هذا العلاج يحمل اسما صريحا: الإصلاح الديني.

كاتب مغربي

8