اضطراب طيف التوحد مرض يربك استقرار الأسر التونسية

حاجة أطفال التوحد إلى الرعاية الخاصة تصيب الواقع الأسري بالتوتر.
الأربعاء 2021/04/21
صعوبة تقبل المرض تزيد من عزلة الطفل

تؤثر اضطرابات طيف التوحد على الأسر التونسية أكثر من الأطفال المصابين به، حيث يترك المرض الذهني الذي يمسّ الجهاز العصبي ويؤثر في نمو الطفل آثاره السلبية على الروابط الأسرية ويعمل على تفكيكها بسبب صعوبة تقبل المرض وكيفية التعامل معه.

تونس - تواجه أسرة الطفل المصاب بطيف التوحد إشكاليات عديدة في عملية تأهيله وإدماجه، ما يخلّف واقعا أسريا متوترا بين الآباء والأمهات لصعوبة التعامل معه، والذي سرعان ما يتسبب في تصدّع العلاقات وتفكك الأسر.

وأكد ناجي ساسي رئيس جمعية “فرح لأطفال التوحد”، أن مرض التوحد تسبب في التفكك الأسري بسبب هروب الأولياء من مسؤولياتهم تجاه أبنائهم المرضى.

وكشف ساسي خلال جلسة استماع له في لجنة شؤون المرأة بالبرلمان، أن “ما بين 90 و95 في المئة من الأسر تفككت بسبب التوحد”، متحدثا عن التكلفة الباهظة للمرافقة اللصيقة لأطفال التوحد ولعملية إدماجهم، مشيرا إلى أنه لا توجد أرقام رسمية حول مرضى التوحد في تونس.

وقال “عالميا يتم تسجيل إصابة شخص بالتوحد على 168 وفي تونس تسجيل حالة إصابة بهذا المرض على 100 شخص”.

وأضاف أنه تم تقديم اقتراح لوزارة الشؤون الاجتماعية لإمكانية إدراج الجمعية في الاتفاقية القطاعية يتم بمقتضاها التكفل بمنظوريها من مرضى التوحد بعد تخرجهم.

وتعتبر منظمة الصحة العالمية اضطرابات طيف التوحد مجموعة من الاضطرابات المعقدة في نمو الدماغ.

وعرّف الدكتور سامي عثمان المتخصص في الطبّ النفسي للأطفال في تصريح لـ”العرب”، طيف التوحد بكونه “اضطرابا يخصّ التواصل والتخاطب الاجتماعي للطفل مع عائلته، وهو اضطراب في المؤهلات والقدرات على التواصل اللغوي والاجتماعي مع المحيطين به، يبدأ مبكرا قبل ثلاث سنوات ويتم فيه تأخّر في النطق والكلام مع سلوكيات نمطية”.

نبيهة السعيدي: كثيرون تركوا أبناءهم واختاروا الطلاق بسبب التوحد
نبيهة السعيدي: كثيرون تركوا أبناءهم واختاروا الطلاق بسبب التوحد

وقال عثمان “هناك صعوبات في معالجته تخص حصص التواصل والتخاطب وتقويم النطق، مع الحركات الحسية، وهو اضطراب مكلف ماديا ويتطلب حصصا كثيرة من المراجعة الطبية”.

وتابع “هناك صعوبات في تقبّل المرض نفسه من العائلة، ورفض الاهتمام به يولّد خلافات وخصومات داخل الأسر، ويولّد مشاكل مادية واجتماعية وعدم القدرة على التعامل معه ومجابهة نفقاته”.

ويثقل المرض كاهل العائلات التونسية ماديا ومعنويا، حيث تجد الأسر صعوبات كثيرة في كيفية تقبله ومحاولات علاجه.

وتتراوح تكلفة مراكز الإحاطة بمرضى التوحد بين 800 و1000 دينار شهريا (بين 291 و364 دولارا) لمركز يعتمد على مختصين في تقويم النطق وطب النفس وغيرها، وبين مراكز متوسطة الخدمات ينحصر تكلفة التأهيل فيها بين 300 و400 دينار (109 و145 دولارا) شهريا أو مراكز القاصرين ذهنيا وتعدّ بـ90 مركزا، ولهذه الأخيرة آثار سلبية، تأتي على المتوحد بنتيجة عكسية بالنظر إلى خصوصية إصابته وأيضا بالنظر إلى الحالات التي ترتاد هذه المراكز.

ووفق خبراء يمسّ هذا الاضطراب الجهاز العصبي ويؤثر في نمو الطفل، ويشمل الجانب الاجتماعي عبر الانطواء، إضافة إلى صعوبات لغوية وحركات متكررة ليس لها معنى، وتؤثر هذه الحالة على تواصل الطفل مع محيطه.

وتقول الجمعيات التي تعنى بتقديم الإحاطة النفسية لضحايا التوحد، إن الأسر تكتشف إصابة أبنائها بصفة مبكرة، وتتخوف الأمهات من مستقبل أبنائهنّ من حيث قدرتهنّ على الاعتناء بهم في المستقبل.

وأفادت نبيهة السعيدي رئيسة جمعية “صوت الأشبال” بأن “التعامل مع أطفال التوحد صعب ويتطلب مجهودا كبيرا لفهمهم عند الغضب والبكاء والضحك وغيره، وهو اضطراب إنمائي لأنه يشمل كل ما هو اتصالي (لغة) ومجتمعي وفيه أيضا السلوكيات النمطية المتمثلة في حركات الأصابع واليدين”.

وأضافت في تصريح لـ”العرب”، أن “الجمعية تضم 45 طفلا تتراوح أعمارهم بين 3 سنوات و21 سنة، بالإضافة إلى فريق عمل متكامل يعتمد على العلاج النفسي والحركي، العلاج بالموسيقى والعلاج بالفن التشكيلي”.

وبخصوص صعوبة تأقلم العائلات التونسية مع هذا الاضطراب النفسي، وفهم مطالب الأبناء المصابين به على صعوبتها، قالت رئيسة الجمعية “الأسر التونسية عادة تمتلك أكثر من طفل، وهذا يتطلب جهدا إضافيا، لأن أطفال التوحد في حاجة إلى رعاية خاصة ولا يمكن التغافل عنهم، وهم معرضون لشتى أشكال المخاطر والعنف”.

Thumbnail

وتابعت “يوجد بين 90 و95 في المئة من الأسر التي تفككت، لأن الأب سيجد نفسه عند الاهتمام بالعائلة مهملا للطفل المصاب، وعند اهتمامه بالمصاب بالتوحد سوف لن يتمكن من رعاية أفراد العائلة والاستجابة لمتطلباتهم”.

وتخلّت الكثير من العائلات عن أطفالها المصابين بطيف التوحد بسبب الضغوط النفسية والاجتماعية. وقالت السعيدي “أعرف الكثير ممن تركوا أبناءهم ورحلوا بسبب التوحد الذي ساهم في التفكك الأسري وهناك كثيرون وجدوا في الطلاق حلا لمعاناتهم المتواصلة”.

واستنكرت رئيسة جمعية صوت الأشبال “تواصل غياب الدولة عن دعم مثل هذه الجمعيات”، لافتة إلى أن “من يدعمنا هم بعض رجال الأعمال وبعض الأولياء”.

وتعاني أمهات لمرضى التوحد من الإجهاد البدني والضغط النفسي ما أدى إلى تفكك الأسرة في حالات كثيرة.

وكثيرا ما تفرض على العائلات شروط مادية مجحفة من قبل مراكز الإحاطة بمرضى التوحد، ويتكبّد الأولياء تكاليف باهظة تفوق إمكانياتهم الحقيقية لتغطية مصاريف الخدمات الصحية والتربوية التي يحتاجها أبناؤهم، فيما يضطر عدد كبير منهم إلى وضع أبنائهم في مراكز مختصة غير مراقبة تقدم خدمات رديئة، وتساهم في المزيد من تدهور حالتهم الصحية والنفسية.

وأمام تراجع دور الدولة في الاهتمام بمرضى طيف التوحد، تتصاعد الدعوات المطالبة بضبط استراتيجية واضحة للتعهد بهؤلاء الأطفال من قبل جميع مؤسسات وهياكل الدولة المعنية بمجال الطفولة على غرار وزارات الشؤون الاجتماعية والتربية والمرأة والطفولة والأسرة والصحة والشباب والرياضة والثقافة.

ويتطلع أولياء هؤلاء الأطفال إلى إدماجهم في المدارس بطريقة تراعي خصوصياتهم الذهنية والصحية وتمكنهم من التمتع بالتعهد الصحي والانخراط في الأنشطة الرياضية والثقافية، وتحسين تواصلهم مع المحيط والمجتمع.

وتوجد في تونس 297 جمعية عاملة في مجال الإعاقة بمختلف التصنيفات و314 مركزا للتربية المختصة يؤمها أطفال من سن 6 سنوات إلى 30 سنة.

وقالت رجاء بن إبراهيم المديرة العامة للنهوض بالأشخاص ذوي الإعاقة في وزارة الشؤون الاجتماعية خلال جلسة استماع أمام لجنة المرأة بخصوص مرض التوحد في تونس، إن الدولة تخصص سنويا لتسيير هذه المراكز من بينها تقريبا 25 مركزا للتربية المختصة تعنى بالأطفال المصابين بالتوحد بلغت قيمتها  سنة 2020 ما يقارب 50 مليون دينار.

وأضافت بن إبراهيم أنه تم إعداد أدلة للتعامل مع الأطفال ذوي الإعاقة موجهة للمدرسين بالتعاون مع اليونيسيف، وتقوم الوزارة حاليا بإعداد موقع واب خاص بمرض طيف التوحد يمكن الأولياء من التعرّف على الأعراض الأولى للمرض. وأكدت غياب إحصائيات خاصة بالتوحد في تونس وأن الوزارة ستطلق قريبا خارطة للإعاقة في تونس بمختلف

اقرأ أيضاً: كورونا يشكل ضغطا على أطفال التوحد

21