اطفئوا الأضواء لكي نرى النجوم

الخميس 2016/01/21

لا نشك قيد أنملة في أن الإعلام يستطيع أن يصنع نجما ساطعا في سماء الغناء أو الرّقص أو الموسيقى، لكن بودنا أن نتساءل في المقابل، هل يستطيع الإعلام أن يصنع فنانا حقيقيا في أي مجال من تلك المجالات، وبكل ما تعنيه كلمة فنان من قدرة على الإبداع والتميز وإعادة توجيه الأذواق؟ بكل بداهة وبكل تأكيد تستطيع الأضواء أن تمنح الشهرة لأي شخص يمتلك بعض القدرات في مجالات الغناء أو الرّقص أو الموسيقى أو حتى في مجالات الطبخ أو عرض الأزياء أو نحو ذلك، لكن هل تستطيع تلك الأضواء أن تجعله فنانا مبدعا في مجاله، أي فنانا بالفعل؟

هكذا أتساءل كلما وجدتني أمام التلفاز أشاهد برنامجا من برامج “صناعة النجوم”. لربما بسبب المفعول السحري للأضواء أصبح الكثيرون مشاهير في لمح البصر لكنهم سرعان ما أفل نجمهم بعد إسدال ستار الفرجة، ليسقطوا في قعر النسيان.

لكن، هل يمكن للشّهرة السريعة أن يصنعا فنانا يستطيع أن يشق بنفسه طريقه في كل الظروف متكئا على طاقته الإبداعية الذاتية؟ بالطبع لا أنكر أن بعض الفنانين الكبار تخرج من هكذا برامج منذ أن كان عددها محدودا ومجالها محصورا ولم يكن عنصر الفرجة والتشويق فيها هو الحاسم، وهنا قد تعود بنا الذاكرة إلى سنوات السبعين، مع “استوديو الفن” الذي كان يقدمه سيمون أسمر في لبنان، و”مواهب” الذي كان يقدمه عبدالنبي الجراري في المغرب، وغير ذلك، وهذا في زمن لم تكن فيه الفضائيات موجودة ولا الرسائل النصية، وكان التلفاز “الشاحب” متشحا بالأبيض والأسود.

غير أننا اليوم إذا حاولنا التعرّف على نسبة النجوم التي يقدّر لها أن تستمرّ، فإننا سنقف أمام نتيجة مخيبة لا تتعدى خمسة في المئة أو ما دون ذلك. هذا يعني أننا نصنع نجوما تلمع بسرعة ثم سرعان ما تنطفئ أمام أول عائق يعترض سبيلها. بمعنى أننا أبعد ما نكون عن صناعة فنانين حقيقيين قادرين على الاستمرار وتحويل محنهم إلى فرص للإبداع والتميّز والتفوق. لقد انطفأ نجم معظم الفائزين بالمراتب في برامج ستار أكاديمي وإكس فاكتور وأراب أيدول بعد لحظات قصيرة من المجد الورقي، وهذا ما دفع بعضهم إلى أحضان اليأس والكآبة. كثيرون منهم يكتفون اليوم بالغناء في العلب الليلية مقابل مال يسدّ الرمق.

خلاصة القول، إن الفن، بما يعنيه ذلك من القدرة على تفجير الطاقة الحيوية للإنسان، والقدرة على إبداع الصور والأصوات بالنحو الأكثر تفردا وتميزا، والقدرة على إعادة تدوير الأشياء الهامشية والمتلاشية، ليس ثمرة مسار سلس ناعم ومفروش بالورود، لكنه ثمرة معاناة إنسانية، ومخاطر حياتية، وكفاح وجودي ووجداني مستميت، وحدس ذاتي عميق لا تكشفه الأضواء. عدا هذا تكون النجومية مجرد لحظة وميض خاطف، لا تترك من أثر يُذكر غير ذكرى حلم قد لا يتكرّر. الأضواء لا تصنع النجوم. لذلك، عندما تنطفئ الأضواء تسطع النجوم الحقيقية في السماء. فلا تكثروا من الأضواء رجاء، دعونا نرى النجوم.

24