"اطلعولي بره".. عندما تتحول الفكرة إلى قصة كارتونية

التعاون المشترك بين مؤلفي الفيلم طارق الأمير وفادي أبوالسعود ظلمهما، فلا قصة متماسكة ولا سيناريو محكما.
الجمعة 2018/03/02
فكرة جيدة تم وأدها على يد صناعها

القاهرة - كأنه ماراثون يستمر ثمانين دقيقة، هي مدة عرض الفيلم المصري “اطلعولي برّه”، وخلالها تركض بكامل قوتك لتهرب من فخ عمل صُنف على أنه كوميدي وتبنّى قضية عميقة وهامة في بدايته، ثم انهارت كل التطلعات في متابعة نص متماسك يبلورها، أو مشاهد مقنعة مترابطة تصورها، وفي أسوأ الأحوال الاستمتاع بمواقف كوميدية ونكات خفيفة أو أداء مقنع لأبطال العمل أو بصمة لمخرج بقيمة وائل إحسان صاحب الرصيد الكبير من الأعمال الكوميدية الناجحة فنيا وتجاريا.

كل أمنيات المشاهدين الذين حضروا عرض الفيلم المصري “اطلعولي برّه” تذهب أدراج الرياح بعد أول ربع ساعة من بداية الفيلم، الذي يروي قصة شاب (الفنان كريم محمود عبدالعزيز) يعمل في وكالة إعلانات يتقاسم ملكيتها مع عمه (الفنان بيومي فؤاد) الذي يريد أن يستولي عليها، وهو في الوقت نفسه يحب ابنة هذا العم الطماع (الفنانة ملك قورة) ويتحمل الكثير من أجلها.

ودون رسم أي ملامح نفسية أو حياتية للبطل وظروفه وخلفياته تقنعنا بوجود صراع عنيف داخله، تخرج فجأة من داخل نفسه شخصيتان تجسدان الخير (الفنان أحمد فتحي) والشر (الفنان خالد الصاوي)، وتتصارعان من أجل السيطرة على حياته بلا أي تمهيد درامي، إلاّ ظهور النجم أشرف عبدالباقي في لقطة عابرة، ليقول عنوان الفيلم باعتباره عنوان كتاب يقرأه البطل، فتخرج له الشخصيتان.

الصراع داخل النفس البشرية وكم التناقضات الذي تحمله فكرة ملهمة، إذا ما تمت صياغتهما سينمائيا بصورة مدروسة فإن العمل سيحقق نجاحه المرجو، لكن كل عوامل الفيلم تكاتفت لتحويلهما إلى فكرة مفكّكة هشة البنيان تصل إلى العبثية في بعض أجزاء الفيلم، ولا سيما في الجزء الثاني الذي انهار فيه منطق الأحداث. وفي الجزء الأخير فشل الفيلم في إيجاد وسيلة درامية منطقية لنقل الأفكار، فلجأ صناعه لعرض آيات من القرآن الكريم عن النفس الفاجرة، ثم ينتهي بنا المطاف ونحن  نستمع لصوت البطل في ما يشبه محاضرات التنمية البشرية يحدثنا فيها عن الأمل والنجاح والثقة بالنفس، وتقدّم البطلة له قصة على نمط الحكايات التي تُحكى للأطفال، تغير بها مسار حياته وتعيده لصوابه بعد أن انجرف في طريق الشر وأفشى أسرار شركته للشركات المنافسة وألصق التهمة بزميله، ما أدى إلى طرده من العمل، كما حاول اغتصاب ابنة عمه، وجميعها أحداث تعكس تنطعا فنيا.

الصراع داخل النفس البشرية وكم التناقضات الذي تحمله فكرة ملهمة، إذا ما تمت صياغتهما سينمائيا بصورة مدروسة فإن العمل سيحقق نجاحه المرجو، لكن كل عوامل الفيلم تكاتفت لتحويلهما إلى فكرة مفكّكة هشة البنيان تصل إلى العبثية في بعض أجزاء الفيلم

واستخدام مثل هذه الوسائل الدرامية، كان رائعا وله مصداقية في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، في أفلام خاطبت مجتمعا تقليديا في علاقته بالعالم، وثقافة الأغلبية داخله بسيطة تعتمد على الرسائل المباشرة، وكانت تدعم غالبا أحداثا درامية جيدة. لكن عندما نخاطب بنفس هذا الأسلوب القديم شبابا -جمهور مثل هذه الأفلام- منفتحين بأفكارهم على العالم ويكرهون النصائح بأي صورة، فنحن أمام عجز وقلة حيلة من المؤلفين، طارق الأمير وشريكه في كتابة النص فادي أبوالسعود.

ومن الواضح  أن التعاون المشترك بينهما ظلمهما، فلا قصة متماسكة ولا سيناريو محكما، ما حوّل الكثير من المواقف التي يفترض أنها كوميدية لمواقف مملّة تدفع المشاهد إلى التوسّل للبطل بعدم تكرارها.

أما الحوار فجزء غير صغير منه مقتبس من مواقع التواصل الاجتماعي، ويبدو أن هذه أحدث صيحة في الكوميديا المصرية، في حين أتت النكات والقفشات غير الإلكترونية مُكرّرة وثقيلة الظل.

ومن المنطقي، إذا لم تكن هناك قصة منسوجة دراميا بكل دقة وحرفية وترابط بين أحداثها وبين العمل، أن نجد مخرجا بقيمة وائل إحسان يقدّم العمل بلا رؤية واضحة، كما بدا كل ممثل يؤدّي بطريقته الخاصة دون توجيهات، وانشغل وائل إحسان بجمال الديكورات والصورة التي جاءت أكثر من رائعة، كصورة صماء بلا هدف درامي.

في عمل يُسخّر لصالح بطل هو كريم محمود عبدالعزيز، من المنطقي أن يجد هذا الممثل اهتماما حقيقيا وليس صوريا، فعندما نرغب في صناعة نجم علينا أن ندعمه بنص جيد، لكن طالما وافق كريم على العمل دون الاعتماد على نص قوي، فكان لا بد أن يهتم بتوجيهات مخرج بقامة وائل إحسان في الأعمال الكوميدية.

ويحسب للفنان خالد الصاوي، قبوله أداء دور مساعد ممّا يؤكد تفهمه لواقع صناعة السينما في مصر وضبط بوصلة خطواته القادمة بعقلانية تجعله يدرك أنه بعد بلوغه سن الرابعة والخمسين، لا بد أن يتراجع قليلا ليستمر، وقد قدّم الصاوي في الفيلم دور الشرير خفيف الظل بحرفيته المعهودة.

فيلم “اطلعولي برّه” فكرة جيدة تم وأدها على يد صناعها، ما حوّل الجمهور عن متابعة العمل الذي تراجع به وائل إحسان خطوات كثيرة، وتأجل إعلان كريم محمود عبدالعزيز كنجم يحمل وحده مسؤولية فيلم، فشتان بين الوالد والابن.

16