اعتداءات النازيين الجدد على الصحافيين تقوّض حرية الصحافة

الصحافيون الألمان يواجه اعتداءات متكررة من مناصري اليمين المتطرف، تعرقل عملهم وتهدد حرية الصحافة، في غياب حماية الشرطة التي تقف مكتوفة الأيدي غالبا.
الجمعة 2018/08/24
التصوير جزء لا ينفصل عن العمل الصحافي

برلين- تعرّض طاقم صحافي ألماني لاعتداء من قبل متظاهرين لحركة “بيغيدا” اليمينية المتطرفة، دون أن تتدخل الشرطة التي كانت موجودة بالقرب من المكان، وهي حادثة تأتي ضمن سلسلة من الاعتداءات المتكررة ضد الصحافيين مؤخرا، الأمر الذي أثار جدلا واسعا حول تعرض حياة الصحافيين للخطر في ألمانيا، وتواطؤ الشرطة مع المتظاهرين لعرقلة عمل الصحافيين.

وطوال 45 دقيقة واصل متظاهرو حركة “بيغيدا” المعادية للأجانب والاتحاد الأوروبي في مدينة دريسدن، الاعتداء اللفظي وعرقلة عمل فريق مصورين من القناة الثانية للتلفزيون الألماني، لتعتقلهم الشرطة لاحقا، وفق ما ذكر موقع دويتشه فيله الألماني بهدف التعرف إلى هوياتهم فقط. وتحدث بيتر فراي مدير قناة التلفزيون الثانية التي تعرّض طاقمها للاعتداء عن “تقويض واضح للتغطية الإعلامية الحرة”.

وطالبت وزيرة العدل كاترين بارلي بتوضيح ملابسات القضية المثيرة للقلق “على وجه السرعة”. وذلك بعد أن تبيّن أن أحد المتظاهرين الذي تعرّضوا للفريق التلفزيوني يعمل في “مكتب مكافحة الجريمة”. واتضح أن الشرطي كان في إجازة من عمله حين وقعت الحادثة، وأنه على ما يبدو يتعاطف مع حركة “بيغيدا”.

وما تزال التحقيقات جارية، وتفيد الشرطة بأن مواطنا ومتظاهرا قدّما إلى الشرطة شكوى ضد صحافي من الفريق التلفزيوني بتهمة الإهانة. ونشب خلاف بين المتظاهر والصحافي حول ما إذا كان من حق فريق التلفزيون تصوير المشاركين في المظاهرة عن قرب. فيما نفى المتظاهر ذلك وقدّم شكوى ضد الصحافي، الذي بدوره هو الآخر قدّم شكوى بتهمة الإهانة.

واكتفت الشرطة بالقول إنها فرقت الطرفين لنزع فتيل التصعيد، وهذا الوصف بحد ذاته مثير للجدل مع عدم تقديم الحماية الكافية للصحافيين أثناء قيامهم بعملهم. من جهته دافع ميشاييل كريتشمر رئيس ولاية ساكسونيا عن تصرّف موظفي الشرطة ضد الصحافيين، وقال بأن “إثبات هوية المشاركين” لا مفر منه لإجراء تحقيقات في حال ارتكاب جنحة.

كما رفض رئيس شرطة دريسدن الاتهام بوجود تعاون مع المتظاهرين من حركة “بيغيدا”. وتطالب اتحادات الصحافيين في ألمانيا بتوضيح حقيقة الحادثة، لكن معرفة التفاصيل في الخلاف بين الصحافي والمتظاهر والسلطات في دريسدن تتطلب وقتا طويلا.

عرقلة عمل الصحافيين
عرقلة عمل الصحافيين

ويؤكد القانون الألماني على حق الصحافيين في تصوير المظاهرات والتقاط الصور. ويسمح للصحافيين بالتصوير أثناء المظاهرات العامة، ويعتبر جزءا من عملهم. فمن يشارك في مظاهرة يوافق بصفة غير مباشرة على تصوير هذه التظاهرة. أما عن حق الصحافي في نشر الصور، فهو يخضع لقوانين أخرى.

وينص القانون عموما أنه إذا كان التعرّف إلى شخص سهلا، فهذا يحتاج إلى موافقة الشخص المعني لنشر صورته. إلا أنه توجد استثناءات في هذه القاعدة، لا سيما في ما يخص التظاهرات العامة. لكن من يسمح بتصويره دون معارضة، فهذا يعني موافقته الضمنية. وحتى في ما يرتبط بالأحداث الحالية في دريسدن حيث يحاول بعض المتظاهرين معارضة النشر، ينطبق مبدأ أن نشر المعلومة أهم من حق الشخص في الاعتراض على الصورة المأخوذة منه.

ولا يفيد الهجوم اللفظي على الصحافيين، لكن هذا ما يحصل بصورة متكررة، وهناك تجاوزات جسدية أيضا ضد الصحافيين. ففي بداية العام الحالي تصدرت الهجمات ضد لاجئين وصحافيين في بلدة كوتبوس عناوين الصحافة.

وقام أعضاء في نادي “مستقبل الوطن” اليميني بالتحريض على مراسلي قناة “برلين براندنبورغ” التلفزيونية، وتعرّض الصحافيون للاعتداء من قبل متظاهرات في حركة نسائية، كما تمت مضايقة بعض الصحافيين وإلحاق الضرر بأدوات عملهم.

ولا يمكن اعتبار التجاوزات في أوساط حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني الشعبوي نادرة، ففي يونيو الماضي تعرّض صحافيان للهجوم خلال لقاء للجناح اليميني للحزب في مدينة بريمن، وتم خلاله تكسير كاميرا الصحافيين. وأثارت حوادث الاعتداء المتكررة على الصحافيين في الآونة الأخيرة الشكوك حول حقيقة وقوف الشرطة وسلطات العدل إلى جانب الصحافيين لحماية حرية الصحافة.

وتعتبر حادثة وقعت في قرية فريتروده واحدة من الشواهد على الاعتداءات ضد الصحافيين، ففي أبريل الماضي، حاول صحافيان من مدينة غوتنغن معاينة تحركات الزوار في بيت زعيم الحزب القومي الألماني، تورستن هايزه، أحد النازيين الجدد المشهورين في ألمانيا. ولاحظ النازيون الجدد وجود الصحافيين اللذين حاولا الهرب بسيارتهما التي تم إيقافها في مدخل القرية، لكنّ النازيين الجدد هاجموهما بأدوات حديدية وعصي، وبعد مطاردة توقفت السيارة في جنب الطريق. وتم كسر الزجاج وانهال الجناة المشتبه بهم ضربا على الصحافيين. وتعرّض أحد الصحافيين لجرح عميق في رأسه، وأصيب الآخر بسكين في فخذه.

ورغم أن الصحافيين تمكّنا من أخذ صور واضحة للجناة والتعرّف إلى أحد أعضاء الحزب القومي الألماني، إلا أن التحقيقات بشأن الاعتداء لم تُسفر عن نتيجة. ومازال النازيون الجدد بعد مرور مئة يوم ينعمون بالحرية، “رغم أن عقوبة هذا الاعتداء، بحسب ما قال محامي الضحايا سفين آدم “تصل إلى سنتين سجنا على الأقل”، وعوضا عن المحاسبة ما تزال الشرطة تتحقق فيما إذا تم التلاعب بالصور التي أخذها الصحافيان. وقال محامي الضحايا بأن الرسالة التي تبعث بها العدالة للجناة اليمينيين وخيمة العواقب أي بمعني “يمكنكم مهاجمة الصحافة دون الخوف من الملاحقة”.

18