اعتداءات سريلانكا ناقوس خطر يحذر من ألغام ما بعد داعش

خبراء في مكافحة الإرهاب يشبهون فترة ما بعد هزيمة داعش ميدانيا بألغام الحرب العالمية الثانية التي زرعت خلال المعارك في بلدان عدة حول العالم.
الأربعاء 2019/04/24
سقطت راية داعش ولم تسقط خلاياه

سواء أكان إعلان تنظيم داعش مسؤوليته عن اعتداءات سريلانكا الإرهابية وبعد ثلاثة أيام من وقوعه، يعبر عن استعراض لشحن رصيده من العمليات الإرهابية أم اعترافا بأن أذرعه المحلية بالتنسيق مع قياداته أو حتى دون علمه قد نفذت العملية، ففي كل الأحوال تطرح حزمة العمليات المتزامنة التي ضربت البلاد الأحد الماضي توقعات وتخمينات كثيرة حول هوية المرتكبين وطبيعة العلاقة التي تربطهم بداعش، وما ينتظر منطقة شرق آسيا من عنف.

القاهرة- أعلن تنظيمداعش، الثلاثاء مسؤوليته عن الهجمات الدامية التي استهدفت كنائس وفنادق بسريلانكا، وأوقعت مئات القتلى والجرحى، حسب إعلام غربي ومحلي.

وذكر بيان منسوب لوكالة “أعماق” التابعة لتنظيم داعش أن منفذي الهجوم الذي استهدف مواطني دول التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة والمسيحيين في سريلانكا، الأحد هم من جنود الدولة الإسلامية.

ورغم إعلان داعش عن ارتكاب هذه المجزرة، فإن ذلك جاء مرفوقا بعدة تشكيكات في بيانه، حيث نقل موقع “نيوز فيرست” الإخباري السريلانكي، نبأ تبني داعش الهجمات، لكنه قال إن التنظيم لم يقدم أي أدلة على مزاعمه.

المجزرة التي جدت مؤخرا، أحيت الجدل حول تواتر التحركات الإرهابية في المنطقة المحيطة بسريلانكا، ما يوحي بتحولها إلى بيئة تتلاءم مع التشدد الديني. حيث بدت الهجمات الإرهابية العنيفة الأخيرة، واتهام السلطات الرسمية السريلانكية لجماعة محلية (حركة التوحيد الوطنية) بارتكابها، متسقة مع التحذيرات العالمية التي وصفت مرحلة ما بعد هزيمة داعش ميدانيا في العراق وسوريا، بأنها الأخطر لما تحمله من جينات مطورة لراديكالية تقدم إرهابا أكثر شراسة ووحشية.

واعتقدت السلطات السريلانكية، الاثنين، أنها أغلقت بابا واسعا من التكهنات حول هوية مرتكبي الحادث الإرهابي، الذي راح ضحيته أكثر من 300 شخص، بإعلانها عن جماعة دينية محلية تدعى “حركة التوحيد الوطنية” تقف وراء الحادث.

ولم تكتف الحكومة بإسناد المسؤولية إلى تلك الحركة المحلية غير المعروفة، بل ناقضت نفسها أيضا بعدما قال المتحدث باسم الحكومة، الوزير راجيثا سيناراتني، “لا يمكنني أن أتخيل كيف استطاعت جماعة محلية تنفيذ مثل هذه الهجمات دون دعم دولي”.

وانتابت الحكومة السريلانكية حالة من الصمت لساعات ثم جاء إعلانها الإغلاق المؤقت لمواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما أثار الكثير من الأسئلة تزامنا مع حدوث تغير نوعي لشكل الهجوم الدموي الذي وقع في مناطق متفرقة بالعاصمة كولومبو وبصورة مرتبة ومنظمة بشكل لم تشهده حوادث إرهابية عدة منذ فترة.

ولم يعرف لجماعة التوحيد الوطنية أي عمل عنيف أو خطاب كراهية محدد، منذ نشأتها عام 2009، أي بعد انتهاء الحرب الأهلية في البلد الآسيوي. ولم يرصد لها نشاط أكثر من كونها منظمة سلفية متشددة تبحث عن تطبيق الشريعة الإسلامية في البلد الملاصق للهند.

هنا، تبدو الصورة أكثر اتساعا من عمل إرهابي عابر حل فجأة في بلد لا يعرف الكثير عن العنف الديني. ويتبلور ما يحدث في سريلانكا ودول آسيوية أخرى، مثل الفلبين وماليزيا وأفغانستان وباكستان وإندونيسيا، مع نظرية “الألغام الصدئة”، التي ألقى بها خبراء ومحللون في حجر الساسة، وحذروا من تطور الفكر الجهادي عقب دحر التنظيم الأم ليتفتت إلى خلايا صغيرة متناثرة حول العالم.

ويشبه خبراء في مكافحة الإرهاب فترة ما بعد هزيمة داعش ميدانيا بألغام الحرب العالمية الثانية التي زرعت خلال المعارك في بلدان عدة حول العالم، مثل مصر وليبيا والفلبين وفيتنام، وظهرت كتوابع بعد انتهاء الحرب في تلك البلدان وما زالت آثارها باقية حتى اللحظة، من دون معرفة خريطة محددة لها.

وفي تصور البعض من المحللين، أن الألغام هي رمز لتوابع الحرب المخفية في جعبة السلام، لكنها أشد خطرا من الحروب، لأنها تأتي فجأة وفي أوقات سلم وتستهدف غير الجيوش.

وفي فترة ما بعد هزيمة الإرهاب في سوريا، سيكون الجهاديون العائدون، إلى جانب خلايا إرهابية نائمة، قنابل موقوتة بصورة أكثر عنفا ووحشية من تنظيم داعش نفسه.

وينطبق هذا على ما حدث في سريلانكا، إذا اعتبرنا أن الجماعة المحلية هي الخلايا النائمة التي لم يتوقع أحد، أنها بتلك الوحشية بناء على ما أشارت إليه التحقيقات المبدئية من مشاركة أجانب في الاعتداء الإرهابي، بينهم سوري، وهم منتسبون إلى داعش.

لم تعرف سريلانكا عبر تاريخها العنف الديني، ولم يظهر المسلمون، البالغ عددهم نحو 10 بالمئة من السكان،، سلوكا عنيفا ضد الأديان الأخرى مثل البوذية الغالبة.

عاشت البلاد حربا أهلية راح ضحيتها عشرات الآلاف واستمرت نحو ثلاثة عقود بين قبائل الأغلبية السنهالية وعرق التمايل الراغب في الانفصال، ولم تنته إلا بانتصار الحكومة السريلانكية على نمور التمايل.

ويربط متابعون بين  الخلفية العنيفة لسريلانكا وبين اختيارها مسرحا لهجوم عنيف، وهو ما أكده توماس هيغميير، الخبير الألماني في شؤون مكافحة الإرهاب، قائلا “إذا كان العالم في حالة ترقب ينتظر فاجعة ما بعد داعش، فقد أتت في سريلانكا”.

وأشار في تصريحات لـ”العرب”، عبر البريد الإلكتروني ، إلى أن المسألة المثيرة في هجمات سريلانكا تظهر في البلد نفسه الذي لم يشهد هجوما إرهابيا كبيرا من قبل، ولم يشارك مسلموه بشكل كبير في رحلات الهجرة المتدرجة إلى داعش منذ عام 2014، وحسب بيانات الحكومة لم ينضم سوى 30 سريلانكيا إلى تنظيم داعش منذ ظهوره.

خرقت العملية الإرهابية الأخيرة شكل الهدوء الديني بين مكونات المجتمع السيرلانكي، والذي تميز بكون عناصره -وهم بوذيون وهندوس ومسيحيون ومسلمون- يعيشون في تناغم.

المجزرة التي جدت مؤخرا، أحيت الجدل حول تواتر التحركات الإرهابية في المنطقة المحيطة بسريلانكا، ما يوحي بتحولها إلى بيئة تتلاءم مع التشدد الديني

ويعني وصول قطار التشدد الديني إلى تلك البلاد أن العالم عليه إدراك ولادة جينات متطورة من الجهاد الديني تبحث عن أجساد تتلاءم مع التحولات الجديدة. ويرى البعض من الخبراء في شؤون الحركات الإسلامية أن تلك الأجساد أو البؤر الخصبة الآن قد تكون في شرق آسيا وغرب أفريقيا، ما يؤكد ضرورة الالتفات إلى هذه المخاطر الفترة المقبلة، ويبدو أن منطقة الشرق الأوسط لم تعد بيئة مناسبة لنمو التنظيمات المتطرفة.

وقال كولن كلارك، مؤلف كتاب “ما بعد الخلافة” إن عدم إعلان داعش مسؤوليته (مبكرا) عن الحادث يجعل العالم أمام معضلة كبيرة، لأن التنظيم يبدو في حالة صدمة مثل العالم كله، حائرا بشأن هوية مرتكب الهجمات.

وأوضح كلارك على حسابه في تويتر، أن عوامل عدة تشير إلى وجود عناصر محلية في الهجوم، فقد اختار الإرهابيون المناطق الأكثر أهمية وجذبا في سريلانكا، مثل ضريح القديس أنتوني، وكنيسة القديس سيباستيان، بمدينة نيجومبو، وفندق “سينامون غراند” الأكبر في سريلانكا، كما أنهم استطاعوا الولوج إلى داخله بسهولة وفرار بعضهم بعدها عبر طرق مختصرة بشكل يوحي بإدراك جغرافيا المكان، إلى جانب فهم طبيعة الحاضرين داخل تلك الأماكن. وتابع “هذا يعني أنه حتى وإن كان الانتحاريون الذين قاموا بالعمل الإرهابي ذوي ارتباط أيديولوجي بداعش، فهم بالتأكيد لا يرتبطون به لوجيستيا أو فنيا”.

7