اعتداء نيس في ذكرى سقوط الباستيل: التوحش في أخطر تجلياته

صدم مهاجم يقود شاحنة ثقيلة حشدا كان يحتفل بالعيد الوطني الفرنسي المعروف بيوم الباستيل في مدينة نيس مساء الخميس مما أدى إلى مقتل أكثر من 84 شخصا على الأقل وإصابة العشرات فيما وصف بأنه الحادث الإرهابي الأسوأ في فرنسا.
السبت 2016/07/16
مشاهد من الرعب والفوضى بعد اعتداء نيس

نيس (فرنسا) - على كورنيش برومناد ديزانغليه الشهير المحاذي للبحر المتوسط، على الكوت دازور، وفيما كان عرض الألعاب النارية التقليدي احتفالا بالعيد الوطني يشارف على نهايته في مدينة نيس الفرنسية، انطلقت شاحنة بيضاء بأقصى سرعة على الحشود المتجمعة بالآلاف وبينها العديد من الأجانب، فدهست كل من كان في طريقها الذي بلغ مسافة كيلومترين تقريبان قبل أن يتوقف سائقها على وقع رصاص الأمن.

يتجاوز هذا الحادث الذي هزّ المدينة الواقعة في جنوب شرق فرنسا يوم 14 يوليو، بعده الإرهابي في مشهده التقليدي، عملية إرهابية في مدينة ما تحصد أرواح العشرات من الأبرياء، ليتركّز بالخصوص حول وحشية العملية ونزعتها الإجرامية، التي تسببت في مقتل أكثر من 80 شخصا، وجرح العشرات بينهم مجموعة من الأطفال.

وذكر شهود عيان أن مسلحين كانوا على متن الشاحنة وأطلقوا الرصاص باتجاه الحشد، فيما أوضح صحافي في وكالة فرانس برس كان في المكان أن شاحنة تبريد بيضاء اتجهت بأقصى سرعتها صوب الحشد ودهست أشخاصا كثيرين ما تسبب في حالة هلع وفوضى عارمة، قبل أن تقوم عناصر الأمن بقتل سائقها بعدة عيارات نارية. وقد ذكرت التقارير الأمنية أن الشاحنة كانت ممتلئة بالأسلحة والقنابل اليدوية.

كان المشهد صادما من كل زاواياه، وسط تساؤلات كبيرة حول مدى وجاهة السبب وقدرة الإقناع التي دفعت بسائق الشاحنة، الذي تبين أنه مواطن فرنسي من أصل تونسي، وله سوابق إجرامية عديدة، إلى أن يسير بشاحنته فوق أناس وأطفال بشاحنته ويدهسهم ويسحقهم.

دموية المشهد وتفاصيل الحادث، الذي يعدّ من أسوإ الاعتداءات الإرهابية التي تعرضت لها فرنسا منذ سنوات، تكشفان خطورة الوضع الذي وصلت إليه عمليات الاستقطاب في صفوف مرتكبي هذه العمليات، وتلفتان الانتباه أكثر نحو نوعية مرتكبي هذه العمليات، في المجتمعات الأوروبية؛ فمنفذ عملية نيس، وفق صحيفة “نيس ماتان” المحلية يدعى محمد لحويج بوهلال، وهو معروف لدى الشرطة الفرنسية بما يتصل بالجرائم الواقعة تحت القانون العام، مثل السرقة والعنف، ويتعاطى المخدرات.

وسبق أن حمل سجلا مماثلا منفذو عمليات إرهابية أخرى في فرنسا، على غرار أحمد كوليبالي، منفذ عملية احتجاز الرهائن في متجر يهودي في منطقة بور دي فانسان في ضواحي العاصمة باريس، وكواشي منفذ الهجوم على الصحيفة الفرنسية الساخرة شارلي إيبدو والأخوين بكراوي المسؤولين عن اعتداءات باريس وبروكسل.

وقد بينت نتائج التحقيقات الجارية في دول الاتحاد الأوروبي، بعد العمليات الإرهابية في باريس، أن تنظيم داعش يعتمد في تنفيذ مخططاته على شبكات الجريمة المنظمة، وخاصة على الشباب من ذوي السوابق والخبرة في هذا المجال.

نيس منتجع للأرستقراطيين لكنها أيضا مدينة متعددة الثقافات وشهدت سفر العشرات من أبنائها إلى سوريا للقتال

إرهاب في سجون فرنسا

كانت صحيفة “لو نوفال ابسرفاتور” الفرنسية، نشرت في شهر يناير الماضي، تقريرا مطولا ومثيرا للجدل حول السجون الفرنسية وتفريخ الإرهاب، مشيرة إلى أن مجموعة من أخطر الفرنسيين الذين نفذوا اعتداءات إرهابية دخلوا السجن بسبب ارتكاب جرائم عادية، وهنالك تحولوا إلى متشددين.

وانتقدت الصحيفة السلطات الفرنسية التي مازلت تتعامل مع هذه الظاهرة ببرامج مراقبة وتوعية قديمة وغير فعالة، مشيرة إلى أن السجون الفرنسية أصبحت مصنعا لتفريخ الإرهابيين، ففي سنة 2006، تعرف شريف كواشي، منفذ هجوم شارلي إيبدو، على أحمدي كوليبالي، منفذ الهجوم على المتجر اليهودي في اليوم ذاته في سجن فلوري ميروغيس (المنطقة الباريسية)، الذي يعتبر من أكبر سجون أوروبا.

وتوطدت العلاقة بينهما في الطابق الثالث من السجن، بينما كان يقبع في الطابق الرابع شخص آخر معروف في عالم التشدد، وهو جمال بغال الجزائري المتهم بالتخطيط للتحضير لعمليات إرهابية كبرى في دول أوروبية. وقد كوّن هؤلاء الثلاثة صداقة قوية امتدت حتى بعد خروجهم من السجن، حيث كان كواشي وكوليبالي يزوران بغال في مسكنه في مقاطعة كنتال في الجنوب الفرنسي، حيث كان يخضع للإقامة الجبرية.

هجوم متوحش

عبدالقادر مراح، الشقيق الأكبر والأب الروحي لمحمد مراح منفذ هجوم تولوز، هو أيضا أصبح متطرفا وراء القضبان. فقد أفاد شقيقه عبدالغني بأنه تعرف على مجموعة من المنتمين للسلفية الجهادية في السجن في سنة 2000، ثم عندما خرج أصبح لا يتحدث عن شيء سوى الدين، حتى أن أبناء الحي أصبحوا يلقبونه بأسامة بن لادن.

ويؤكد على ذلك فرهاد خشروشافار، الباحث الاجتماعي الفرنسي الذي قام بدراسة حول ظاهرة التطرف في السجون، بقوله إن “السلطات الفرنسية لم تنتبه لظاهرة انتقال الأفكار المتشددة بين السجناء إلا في وقت متأخر، ولكن هؤلاء بعد أن تفطنت لهم السلطات غيروا استراتيجيتهم، وأصبحوا يتحركون بعيدا عن أعين الحراس ويخفون تدينهم”.

تجعل هذه الخلفية الإجرامية وفقدان التوازن النفسي، وأحيانا العقلي بسبب تأثير المخدرات، إضافة إلى الإحساس بالغبن والحقد الاجتماعي، من السهل تحويل أشخاص مثل بوهلال إلى آلة للقتل. ورغم أنه لم تتبن حتى الآن أي جهة عملية نيس، وهي الاعتداء العاشر الذي يضرب في فرنسا في عضون عشرين شهرا، إلا أن أصابع الاتهام تتجه نحو تنظيم الدولة الإسلامية الذي سبق وأن نفذ مجزرة باريس العام الماضي.

شبهات حول داعش

ذكر خورخي فرنانديث دياث، القائم بأعمال وزير الداخلية الأسباني، أن المعلومات التي جمعتها أجهزة المخابرات الفرنسية والأسبانية بشأن الهجوم على مدينة نيس الفرنسية تشير إلى عمل جهادي.

وقال للصحافيين “إنه هجوم وحشي وعلى الرغم من أنه لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنه بعد فإنه يبدو أنه جزء من حملة الإرهاب الجهادي وهي مسألة تتفق فيها أجهزة المخابرات الخاصة بنا مع الأجهزة الفرنسية”. وبالمثل قالت “لو باريسيان” الفرنسية إن الهجوم المباغت طغت عليه بصمات داعش.

وتشير الصحيفة إلى أن هجوم نيس هو تطبيق لاستراتيجية أبي محمد العدناني، المعروف لدى أجهزة الاستخبارات الغربية بـ”وزير الهجمات” لدى تنظيم داعش، حيث أوصى “جنود الخلافة” منذ عام 2014 بتنفيذ هجمات إرهابية بجميع الوسائل المتاحة.

وجاء في رسالة العدناني“ابذل جهدك في قتل أي أميركي أو فرنسي، أو أي من حلفائهم، فإن عجزت عن العبوة أو الرصاصة، فاستفرد بالكافر، فارضخ له بحجر، أو انحره بسكين، أو اقذفه من شاهق، أو ادعسه بسيارة”.

وأعلن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند أنه “لا يمكن إنكار الطابع الإرهابي لإعتداء نيس الوحشي. وقال إن الإعتداء تم بنية القتل وهو عمل له طبيعة إرهابية، خاصة وأن طريقة تنفيذ الاعتداء واختيار هذا التاريخ الرمزي بالنسبة إلى فرنسا يذكران برسائل وجهتها مجموعات جهادية مثل داعش”.

السلطات الفرنسية لم تنتبه لظاهرة انتقال الأفكار المتشددة بين السجناء إلا في وقت متأخر

وهي ليست المرة الأولى التي يتم فيها استخدام سلاح الدهس، حيث يذكّر اعتداء نيس بنمط هجوم معروف من أجهزة مكافحة الإرهاب، ينفّذ بواسطة سيارة أو شاحنة لزرع الرعب. وسبق أن نفذ جهاديون اعتداءين بهذه الوسيلة استهدفا عسكريين وأثارا صدمة.

في مايو 2013، قام بريطانيان من أصل نيجيري في لندن بدهس الجندي الشاب لي ريغبي بسيارتهما قبل طعنه بالسكين. وفي مقطع فيديو صوّر بعيد الاعتداء، أعلن أحد القاتلين أنه أراد الانتقام “للمسلمين الذين قتلهم جنود بريطانيون”. وأعلن المهاجم الأب لستة أولاد خلال محاكمته أنه كان في “مهمة ” وأنه من “جُند الله” وفي “حرب ضد بريطانيا“.

وفي أكتوبر 2014، قام كندي عمره 25 عاما اعتنق الفكر المتطرف بالانقضاض بسيارته على ثلاثة عسكريين إلى جانب طريق في ضاحية مونتريال، فقتل أحدهم وأصاب آخر بجروح، وحين حاصرته الشرطة بعد مطاردته، خرج المهاجم من سيارته شاهرا سكينا قبل أن يُقتل. وكان الشاب يريد التوجه إلى سوريا.

وبعد ثمانية أشهر على الاعتداءات الأكثر دموية التي شهدتها فرنسا حتى الآن في باريس وضاحيتها، سيتحتم على التحقيق أن يحدد ما إذا كان منفذ الاعتداء تحرك بمفرده أو بإيعاز من أحد.

وقد قال ارت رودريك، المساعد السابق لرئيس التحقيقات بإدارة مفوضي الشرطة الأميركية، مارشالز، في تصريحات لشبكة سي ان ان “ما فاجأني في هذا الهجوم هو أنه غير معقد كهجمات شارلي إيبدو وباريس وبلجيكا حيث لم يكن هناك هذا العدد الكبير من الضحايا”.

وتابع “ما أعنيه هو أن لدينا سائقا واحدا وشاحنة واحدة وليس لدينا متورطون آخرون داخل الشاحنة، قد يكون هذا الهجوم إما مستلهما وإما موجها وأنا أفكر بأنه هجوم له طابع الذئاب المنفردة”.

وأضاف “عندما نرى الشاحنة تتحرك في نيس وسط الجموع هكذا فإنها أشبه بدبابة صغيرة ونفهم من آثار الرصاص على الزجاج الأمامي للشاحنة ما تطلبه الأمر لوقفها قبل أن يخرج ذلك السائق ويشتبك مع الشرطة”.

6