اعتدال المغاربة يمنع تسلل محمد العريفي

الرفض الشعبي المغربي الواسع لزيارة “الداعية” السعودي محمد العريفي إلى المغرب، ليس مجرد موقف من الرجل وفتاواه الغريبة ومواقفه السياسية المدهونة بالدين، لكنه إدانة عارمة لدور دعاة اختصوا في إثارة الفتنة أينما حلوا. الرفض الشعبي للزيارة مثال على تأهب الشباب والقوى المدنية للذود عن اعتدالهم وصونه من ثقافة التكفير والكراهية.
الأربعاء 2015/10/14
العريفي كغيره من دعاة التشدد يقدمون خطابا يضاهي في خطره التنظيمات الجهادية

ما الذي يمكن أن يفعله أحد أبرز شيوخ التشدّد الديني والمذهبي في أرض راسخة فيها التقاليد الرّشدية ولو بمقدار؟ ما الذي بوسعه أن يفعله في بلد موسوم ببعض الانفتاح، وغير قليل من التسامح، منذ زمن ابن رشد وابن عربي وابن خلدون؟ ما الذي يمكن أن يضيفه إلى تديّن موسوم بالوسطية والاعتدال؟ أيا كانت الحسابات السياسوية، فهل يمكن للنخب المحلية أن ترحب بشيخ متشدد داخل بيئة متسامحة لا تستسيغ خطاب الغلو والعنف والتطرف؟

وبالفعل، هناك مفارقة مستغربة: لم يمض زمن طويل عن خطاب العاهل المغربي الذي صرح بأن المغاربة لا يحتاجون إلى من يأت من خارج بلدهم لكي يعلمهم دينهم، وهو خطاب واضح المبنى والمعنى، حتى حاولت حركة الإصلاح والتوحيد، الذراع الدعوي لحزب العدالة والتنمية الحاكم، أن تستقدم أحد الشيوخ الأكثر إثارة للجدل، محمد العريفي، لغاية تعليم المغاربة معنى الدين من وجهة نظره. وهي وجهة نظر سبق أن أثارت السخط في إحدى المرّات حتى داخل بلده الأصلي. كل هذا في الوقت الذي تعتبر فيه الكثير من الدول الأفريقية والأوروبية المغرب “مرجعا” يحتذى به من حيث القدرة على تدبير الشأن الديني داخل سياق الإسلام.

ما هي الإضافة التي أرادت الجهة المنظمة أن يضيفها محمد العريفي للمغاربة؟ هذا هو السؤال الذي انطلق منه الناشطون المناهضون. والسؤال الأكثر دقة: هل ضمن نوايا الحزب الإسلامي الحاكم الإجهاز على الهامش الحداثي، الضيق أصلا، والذي سبق أن شيدته الحركة الوطنية داخل المجتمع المغربي بتعاون مع الملك محمد الخامس؟ هكذا تساءل الكثيرون قبل أن ينطلقون في حملة وطنية احتجاجية تكاد تكون الأولى من نوعها.

حملة مناهضة زيارة العريفي للمغرب اعتبرها أصحابها تندرج ضمن سياق المقاومة المدنية لثقافة الفتنة والغلو والتكفير

لم تكن التساؤلات تنطلق من فراغ بالنسبة لناشطين يتابعون قضايا المنطقة، ويلاحظون ما الذي كان يعنيه استقدام شيوخ الفتنة إلى بلدان أخرى مجاورة. وبالفعل، فقد شهدت تونس في مرحلة حكم الإخوان استقدام الكثير من الدعاة والوعاظ من بعض دول المشرق لغاية نشر الرؤية السلفية المتشددة والحد من الهامش الحداثي داخل المجتمع التونسي. وهو الاستقدام الذي أثار وقتها الكثير من الجدل، وانتهى في الأخير إلى سقوط حكم الترويكا. يبدو أن إخوان المغرب استسهلوا تكرار التجربة، فلجأوا إلى نفس المسعى من حيث استقدام الشيوخ المتشددين من المشرق لغاية الإجهاز على الهامش الحداثي داخل المجتمع المغربي.

لكن، هذه المرة، جرت الرياح بما لم تشتهه سفينة حركة الإصلاح والتوحيد، الذراع الدعوي لحزب العدالة والتنمية الحاكم بالمغرب. فقد كان مرتقبا أن تستضيف الشيخ المثير للجدل محمد العريفي يوم 25 أكتوبر الجاري، بالرباط قصد إلقاء محاضرة دعوية. غير أن الحملة المكثفة والمبكرة التي خاضها ناشطون مدنيون عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي احتجاجا على مجيئه، قد انتهت في الأخير إلى قراره بالعدول عن الزيارة، وهو القرار الذي دونه على صفحته الرسمية بالفيسبوك مؤكدا عدم رغبته في إحراج النظام المغربي، وذلك جراء السجال الحاد الذي أثاره خبر الزيارة.

وفي سياق الحملة تداول الناشطون المناهضون لزيارة العريفي فتاواه وأشرطته الأكثر إثارة للجدل، وهو الأمر الذي منح للحملة أبعادا قوية: من قبيل فتوى أن المرأة تنسى بسبب غدة نسي هو اسمها، وفتوى عدم جواز جلوس البنت مع أبيها في غياب أمها، ودعمه للقاعدة وهو ما دفع سلطات بلده إلى توقيفه قبل اعتذاره وثوبته، وفتوى جواز ضرب الزوج لزوجته، إضافة إلى دعمه للفصائل المتشددة ومشاركته العسكرية المباشرة في بعض النزاعات بنحو أضفى عليها طابعا دينيا فتنويا كانت في غنى عنه.

ما زاد الطين بلة أن القاعة التي كان مقررا أن تحتضن النشاط تحمل اسم المهدي بنبركة، ويصادف النشاط ذكرى مرور نصف قرن عن استشهاد الزعيم التقدمي المغربي المهدي بنبركة على يد ثلاث دوائر استخباراتية دولية ضمنها الموساد، ما أوحى بنوع من الاستفزاز المقصود للفكر التقدمي المغربي والإنساني، وبالرغبة في منازلته في “عقر داره” وفق أهواء فقه التدافع والاحتراب.

تونس شهدت في مرحلة حكم الإخوان استقدام الكثير من الدعاة والوعاظ من بعض دول المشرق لغاية نشر الرؤية السلفية المتشددة والحد من الهامش الحداثي

لقد تعددت خلفيات مناهضي زيارة العريفي للمغرب، وهذا ما انعكس على مختلف الصفحات والمجموعات الاحتجاجية، من خلفيات سنية معتدلة، إلى خلفيات صوفية متسامحة، إلى خلفيات علمانية عقلانية، إلى خلفيات حقوقية مدنية، إلى خلفيات أخرى وطنية مغربية يهمها ألا يتحول بلدنا إلى أرض فتنة مثلما حدث في ليبيا والعراق وسوريا واليمن وغيرها.

والفتنة إذا دخلت بلدا لا تخرج منه أبدا. غير أن القدرة على مقاومة الظلام تتجلى في تعدد ألوان الضوء. وهذا درس كبير. يبدو أن حملة مناهضة زيارة محمد العريفي للمغرب قد فاجأت الكثيرين، وقد اعتبرها أصحابها تندرج ضمن سياق المقاومة المدنية لثقافة الفتنة والغلو والكراهية والتكفير، مذكرين بما حدث في دول أخرى انتهت فيها فتاوى العنف والتكفير إلى التفكك والاقتتال الأهلي، ومتهمين شيوخ الفتنة بأنهم ساهموا في إجهاض أحلام ثورات الربيع وتحويلها إلى فتن طائفية وحروب دينية عبر التحريض المذهبي والتهييج الغوغائي، وكذلك عبر التحكم “الفوضوي” فيما يسمى بأموال الزكاة، دون احتساب المواقف المسيئة للمرأة والأطفال والأقليات.

أخيرا أدركت الحملة مبتغاها، وقرر محمد العريفي تأجيل الزيارة إلى أجل غير مسمى (ما يعني الإلغاء). وإن هذا النصر الجميل ليعتبر في تقديري الشخصي دليلا على أن الخرافة لا تطغى مهما ملكت من أموال ولغو وغوغائية إلا إذا وجدت أصحاب العقول في سباتهم نائمين. الشيخ العريفي لم يجد المغاربة نياما. وهذا ما أفزعه وأفزع شيعته وعشيرته. بل وجد ناشطات وناشطين قاوموا بالعقل والبرهان والتواصل واللغة الراقية فلول الهمجية والتوحش. وهي رسالة لمن يعنيهم الأمر. وقد صدق هيرقليطس يوم قال: دافعوا عن عقولكم كما تدافعون عن مدينتكم.

أخيرا، لقد كان بلدنا المغرب منذ القدم ملاذا للهاربين من جحيم الفتن حين كانت الفتن تشتعل في البقاع الأخرى، سواء في المشرق أو الأندلس، وبدون شك، فإن بلدا مجبولا على احتضان الهاربين من الفتنة لن يحتضن متهمين بإشعالها، على الأقل ليس قبل أن يبرؤوا ذمتهم بالأقوال وبالأفعال. وهذا درس آخر.

13