اعتذار أديب يترك سيناريوهات متنافرة للمشهد اللبناني

سيناريوهات كارثية تنتظر لبنان بعد استقالة رئيس الوزراء المكلف مصطفى أديب الذي لم يتمكن من إقناع الثنائي الشيعي أن الرئيس المكلّف هو من يشكّل الحكومة.
الثلاثاء 2020/09/29
ارتباك لبناني في مواجهة الخلافات العميقة

تشكلت قناعة لدى طيف واسع من المراقبين بأنه لا علاج للتخبط السياسي الذي يعيشه لبنان بعد أن بنوا موقفهم على عدم قدرة رئيس الوزراء المكلف مصطفى أديب على تشكيل حكومة جديدة وهو ما أفضى إلى استقالته خاصة وأن هذه الخطوة تركت سيناريوهات متنافرة للمشهد السياسي، حتى مع إبقاء فرنسا لدعمها الكامل للطبقة السياسية في بناء أسس تتمكن من الخروج من أزماتها التي شلت الدولة.

بيروت- لم يستغرب معظم المراقبين للمشهد السياسي اللبناني وتعقيدات تشكيل الحكومة، أن يعتذر رئيس الوزراء المكلف مصطفى أديب عن عدم استكمال عملية تشكيلها، فبعد عدّة زيارات قام بها للرئيس ميشال عون في القصر الرئاسي، لم يصل أديب إلى حل يرضي جميع الأطراف، وخاصة الثنائي الشيعي.

وواجه تشكيل حكومة أديب عقبات، أبرزها التمسك بحقيبة وزارة المالية وتسمية الوزراء الشيعة من طرف الثنائي الشيعي، وهما حركة أمل، بزعامة رئيس مجلس النواب نبيه بري، وجماعة حزب الله، حليفة النظام السوري وإيران، التي تتبادل العداء مع أنظمة عربية وإسرائيل حليفة الولايات المتحدة.

ويتوقع أن تعطي حالة الفراغ السياسي، الذي تركته حكومة حسان دياب بعد تقديم استقالتها على خلفية التداعيات المدمرة التي خلفها انفجار مرفأ بيروت مطلع الشهر الماضي، لمحة عن السيناريوهات المحتملة أمام السلطة السياسية “المنبوذة” من قبل الطبقة الشعبية.

ويجمع محللون سياسيون على أن الوضعية الجديدة ستتحول إلى ما يشبه الحرب بين خصمين، ولن يكون فيها أي رابح نظرا لوصول الجميع إلى نقطة اللاعودة في أسوأ أزمة تعيشها البلاد في تاريخها الحديث.

ويقول الإعلامي اللبناني خيرالله خيرالله إن قرار أديب بالاعتذار عن عدم تشكيل حكومة جديدة ليس بمواصفات عصرية سوى خيار في غاية السوء بعدما اعتمد رئيس الجمهورية ميشال عون فرض خيار “رايحين على جهنّم” لأنه نتيجة طبيعية لوصول لبنان إلى ما وصل إليه.

ويؤكد المحلل السياسي خيرالله أن وصل لبنان إلى ما وصل إليه اليوم في ظلّ هذا “العهد الجهنّمي” الذي ارتضى سيّده أن يكون عهد حزب الله بسبب رفض عون المنتخب في أكتوبر 2016 لعب دور بيضة القبان بين الأفرقاء اللبنانيين، كما أن في كلام عون ما هو أسوأ بكثير من ذلك فهناك سوء فهم لطبيعة المبادرة الفرنسية التي حملها الرئيس ماكرون في زيارتيه لبيروت وهناك نسف للمبادرة، وهذا ما حصل بالفعل.

نسف المبادرة الفرنسية

خيرالله خيرالله: هناك سوء فهم لطبيعة المبادرة الفرنسية لذلك تم نسفها
خيرالله خيرالله: هناك سوء فهم لطبيعة المبادرة الفرنسية لذلك تم نسفها

من خلال المعطيات الراهنة، فإن أمام القوى السياسية الحالية، التي باتت “منبوذة” من الشعب، سيناريوهات تبدو متنافرة للخروج من الورطة أبرزها إعادة خلط الأوراق من أجل نظام سياسي بديل بعيدا عن المحاصصة الحزبية ولا يحمل “جينات هجينة” قد تؤدي إلى انهيار مؤسسات الدولة نهائيا.

وواجه مسار تشكيل حكومة أديب عقبات كبيرة تمثلت في إصرار حركة أمل وحزب الله على الاحتفاظ بوزارة المالية في الحكومة التي كلف أديب بتشكيلها وترؤسها إلى جانب المشاركة في تسمية ممثليهما في الحكومة من خلال تقديم لائحة أسماء لأديب ليختار منها وزراء الطائفة الشيعية.

والتمسك بهذا الموقف جاء على الرغم من تأكد رؤساء حكومات سابقين، وهو فؤاد السنيورة وتمام سلام ونجيب ميقاتي رفضهم أن تكون حقيبة وزارية بعينها حكرا أو حقا حصريا لفصيل أو فئة سياسية بعينها.

وقد تزامن تكليف أديب مع زيارة تفقدية لبيروت بعد انفجار المرفأ، أجراها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ما أطلق اتهامات له من أطراف لبنانية بالتدخل في شؤون بلادهم ومنها عملية تشكيل الحكومة، في محاولة للحفاظ على نفوذ لباريس في لبنان، البلد الذي احتلته بين عامي 1920 و1943.

وأطلق ماكرون مبادرة فرنسية بلهجة تهديد وإعطاء تعليمات إلى اللبنانيين، تشمل تشكيل حكومة جديدة، وإصلاح البنك المركزي والنظام المصرفي، بحلول نهاية أكتوبر المقبل، ولكن مع إعلان أديب السبت الماضي اعتذاره عن عدم استكمال مهمة تشكيل الحكومة، تم نسف تلك المبادرة.

وبينما اعتبر البعض أنه باعتذار أديب تم “تعطيل” المبادرة الفرنسية، يرى آخرون أن باريس ستحاول إنقاذها، فيما توافق محللون آخرون على أن ما ينتظر لبنان في القريب العاجل ليس أقل سوءا مما هو عليه الآن.

ويحذر المحلل السياسي بشارة خيرالله من أن سيناريوهات كارثية تنتظر لبنان بعد استقالة أديب، الذي لم يتمكن من إقناع الثنائي الشيعي أن الرئيس المكلّف هو من يشكّل
الحكومة.

ويعتقد الثنائي الشيعي نفسه أخطأ في إسقاط حكومة دياب، ويريد له دياب أن يصرّف الأعمال إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية لأنه يراهن على تغيير في الرئاسية أي سقوط الرئيس الجمهوري دونالد ترامب أمام الديمقراطي جو بايدن.

ويرى بشارة أن هذا رهان إيراني وهناك من يريد أن يغلّب مصلحة طهران على مصلح لبنان خاصة بعدما سهّل رئيس الحكومة السابق سعد الحريري قدر الإمكان وأعطى الثنائي حقيبة المال خلافا للدستور، وقد أعلن موافقته على أن يقوم أديب بتسمية شخصية شيعية مستقلة لحقيبة المالية.

واستنادا للدستور يُفترض أن يُجري عون استشارات نيابية ملزمة جديدة لتكليف شخصية جديدة بتشكيل الحكومة، لكن بشارة خيرالله استبعد تكليف شخصية جديدة بتأليف الحكومة، محذرا من أن لبنان متجه إلى مزيد من التأزّم والتدهور الاقتصادي وهبوط للعملة المحلية أمام الدولار، وكذلك مزيد من العقوبات الدولية والعزل الدولي.

يتوقع أن تعطي حالة الفراغ السياسي، الذي تركته حكومة حسان دياب بعد تقديم استقالتها على خلفية التداعيات المدمرة التي خلفها انفجار مرفأ بيروت

وبتهمة الفساد ودعم حزب الله، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية في الثامن من سبتمبر الجاري أنها أدرجت على القائمة السوداء كلا من وزير الأشغال اللبناني السابق يوسف فنيانوس، ووزير المالية السابق علي حسن خليل، المحسوب على بري.

ويقول خطار أبودياب أستاذ العلوم السياسية، المركز الدولي للجيوبوليتيك – باريس إن “سيد الإليزيه” كان يعتمد ضمنا على الصلة التي نسجها مع إيران وربما راهن على أن موقفه المنفتح تجاهها ودفاعه عن الاتفاق النووي يسهلان له الأمر مع وكيلها اللبناني حزب الله النافذ في المؤسسات بمجرد الحوار معه والاعتراف بالتمثيل الشعبي لجناحه السياسي.

ولكن تبين مع الوقت، بحسب المحلل السياسي أبودياب، أن المنظومة السياسية التي كادت تتعرض لضربة قاضية بعد “فضيحة المرفأ” استفادت من المبادرة الفرنسية لتعويم وضعها، وأن حزب الله الذي كان في وضع صعب اشترى وقتا ثمينا من سبعة أسابيع من أصل المهلة التي كانت تفصل عن الانتخابات الأميركية، ولم يتم الإيفاء بالتعهدات التي التزم القادة السياسيون باحترامها والذين كانوا قد اجتمعوا بماكرون في قصر الصنوبر.

وأكد أبودياب وهكذا وكما كان متوقعا، سهّل هؤلاء الممسكون بتلابيب النظام اللبناني الدور الفرنسي عبر الموافقة على اختيار أديب رئيسا مكلفا للحكومة عشية زيارة ماكرون الثانية أوائل هذا الشهر، لكنهم عادوا وأغرقوا المبادرة الفرنسية بمساعدة “شيطان التفاصيل” وكانت عقدة حقيبة وزارة المالية وشاغلها بمثابة الشجرة التي تحجب غابة أزمة النظام والتجاذبات الخارجية المعطلة.

وحذر كثير ممن يتابعون الوضع في لبنان من أن البلاد مقبلة على مرحلة تفاقم للانهيارات المالية والاقتصادية والاجتماعية، حيث كان يفترض أن تقوم حكومة أديب بالكثير من الأمور وكان يمكن أن توفر فرصة إنقاذ وتنفس للدولة المتخبطة في أزمات متنوعة كي يتمكن من مواجهة تحديات بالغة الخطورة.

المزيد من التشرذم

خطار أبودياب: ماكرون كان يعول  على صلته بإيران للضغط على حزب الله
خطار أبودياب: ماكرون كان يعول  على صلته بإيران للضغط على حزب الله

يقول الكاتب والمحلّل السياسي علي حمادة، إن الإيرانيين، وبموقف حلفائهم هنا على الأرض (الثنائي الشيعي) من قضية وزارة المال وتعيين الوزراء الشيعة وتحوير المبادرة الفرنسية، استطاعوا أن يسيطروا على الواقع الحكومي مرة جديدة.

ويضيف حمادة أن المشكلة الآن على صعيدين، الأول داخليا لأن الأمور أكثر تعقيدا من قبل وبالتالي إمكانية تكليف رئيس جديد موجودة، لكنها ستكون أكثر صعوبة خاصة لناحية انتقاء شخص ضمن المعايير المطلوبة في مرحلة إنقاذ لبنان اقتصاديا.

أما خارجيا، فربما سيلاحظ الذهاب إلى تأجيل الاستشارات الملزمة لاختيار رئيس حكومة جديد بانتظار أن يأتي الضوء الأخضر الإقليمي، ربما بعد الانتخابات الأميركية، ويرى حمادة أن الموقف الفرنسي سيعتبر أن المبادرة مستمرة، وأن جولة انتهت وبدأت أخرى.. الفرنسيون سيحاولون إنقاذ المبادرة عبر خطة باء ستُحضّر أو محضّرة سلفا.

ولكن البعض يذهب إلى سيناريو تشاؤمي أبعد من ذلك إذ يبدو أن لبنان أمام “انهيار حتمي” ولا توجد خيارات بديلة. إذ أن لبنان فرّط بالفرصة الأخيرة للإنقاذ، وبالتالي هو “أمام المجهول”.

ويرى سامي نادر أنه لا يوجد سوى مسلكين للوضع الحكومي، الأوّل هو تعويم حكومة تصريف الأعمال، وهي حكومة مكانك راوح لا تستطيع الإنقاذ، والثاني هو تكليف شخص مثل دياب.

7