اعتذار الحويني لا يُلزم سلفيّي مصر ولا يحقق أهداف قطر

الإصلاحات السعودية أربكت الحسابات الإقليمية للدوحة وأنقرة وطهران.
الأربعاء 2020/02/26
حذر سلفي من الإصلاحات السعودية

الاعتذار الذي أعلنه الشيخ السلفي المصري أبوإسحق الحويني عن بعض الأحكام والآراء التي أطلقها، خرج من دائرة الآراء الفقهية، ليتحول إلى خلافات سياسية اندلعت بين الإخوان والسلفيين، وهو خلاف عكس، بدوره، حرج القوى السلفية المصرية من الإصلاحات المجتمعية والفكرية التي بدأتها المملكة العربية السعودية منذ سنوات، كما أربكت المواقف القطرية والتركية والإيرانية من الإصلاحات السعودية التي عزلت التطرف الأصولي.

القاهرة - لا يزال اعتراف الداعية السلفي المصري أبوإسحق الحويني بأنه “تسرّع وقام بتأليف كتب وأصدر أحكاما خاطئة طلبا للشهرة” يحتل مرتبة متقدمة في النقاشات السياسية والإعلامية المدنية، في وقت لم تسجّل ردود أفعال عليه بالمباركة أو الرفض من أعضاء الدعوة السلفية وقياداتها في مصر.

ربط البعض اعتذار الحويني بالتحولات التي يشهدها المجتمع السعودي وما زامنها من انصياع سلفي لمقتضياتها، ما يعني تأثر الحالة السلفية المصرية بها، خاصة أن الأخيرة أقدمت على مقاربات براغماتية عدة خلال السنوات الماضية.

بينما أرجع آخرون الخطوة إلى رغبة الدوحة في منافسة الرياض على الزعامة السنية، بالنظر إلى إقامة الحويني الطويلة في دولة قطر، وأن رجالاتها المتطرفين على استعداد للتأقلم مع التوجهات المعتدلة، في محاولة لنفي دمغها بدعم الإرهاب ورعاية التشدد.

تم تداول فيديو مصور الأربعاء الماضي، للداعية السلفي صاحب الفتاوى المثيرة للجدل، أبدى فيه ندمه على آرائه المتعجلة في كثير من القضايا التي لم يراعِ فيها تدرج الأحكام الشرعية، فأفسد بحماسه الشباب.

والتيار السلفي بمصر لم يعتدْ على هذا النوع من الاعتذارات الصريحة والتي تأتي في صلب المنهج الفكري والشرعي، مكتفيًا بتنازلات سياسية يصل بها إلى غايته الدعوية، معتبرا أنها خطوات تمليها الضرورة لحماية مصلحة الدعوة.

ولا يستقيم إقدام الحويني على الاعتذار مع مصالح التيار السلفي الذي يتبنى استراتيجية موحّدة منذ انخراطه في الشأن العام، مؤداها الضغط والمناورة سياسيا لتحقيق مصالح دعوية واللجوء إلى مواءمات سياسية، مقابل عدم المساس بآرائه ومواقفه الدينية المتشددة.

تعامل سلفيو مصر مع التغييرات المجتمعية والثقافية الواسعة التي تجري في السعودية بحذر وتكتّم، وحرصوا على عدم إثارة هذه القضية أو التفاعل معها، لأنها ترخي بظلالها على مستقبل حضورهم في الساحة السياسية والدعوية مع التراجع الكبير الذي شهدته الحالة السلفية بمصر، عقب ثورة يونيو 2013.

مراجعات واعتذارات

قطر تحرص على ألا يُكتب لمشروع الإصلاح السعودي النجاح، وألا تتأثر التيارات الأصولية في العالم بتلك الإصلاحات

يخشى التيار السلفي المصري من استنساخ المراجعات والاعتذارات السلفية السعودية، ويطاله زلزال جديد بعد زلزال عزل جماعة الإخوان عن الحكم، يشطر كيانه المتبقي ويشظيه إلى جماعات صغيرة متصارعة فكريًا. لجأ أعضاء الدعوة السلفية إلى تفادي تأثير التغييرات الكبرى في السعودية إلى مقارنة مواقفهم بمواقف جماعة الإخوان كي لا تحدث انشقاقات داخل جماعاتهم، عبر الترويج لفرضية أن جماعة الإخوان تنازلت في أمور شرعية في سبيل تحصيل مكاسب سياسية، أما الدعوة السلفية فقدمت تنازلات حفاظا على مواقفها الدينية.

ويبرر سلفيو مصر مواقفهم لدى قواعدهم بالحفاظ على تصوّراتهم الفقهية والفكرية، زاعمين أنه لولا المرونة التي أبداها حزب النور لما ظل هناك ملتح أو منتقبة تسير في شوارع مصر بأمان.

يمكن تفسير موقف الحويني، على خلفية إقامته في الدوحة منذ سنوات، من خلال إخضاعه كرمز سلفي معروف بآرائه المغالية والمتطرفة لمطالب تتعلق بإعادة تسويق قطر كبلد غير متزمّت على المستوى العقدي وغير حاضن لرؤوس التشدد الأصولي، في وقت تتحرر فيه السعودية أمام العالم من آثار تلك الأطروحات على مجتمعها وعلى فضائها الثقافي والفكري.

أربكت التحولات الكبرى على المستوى الديني والفكري والثقافي والاجتماعي في السعودية خطط بعض القوى الإقليمية المنافسة في هذا الفضاء ومشاريعها، بما لها من انعكاسات على العالم الإسلامي كله بالنظر إلى ثقل المملكة وتأثيرها الروحي.

يحرم استعادة القيادة والنخبة السعودية لجوهر الدين الإسلامي وعزل التطرف الأصولي والتشدد السلفي كلاّ من قطر وإيران وتركيا من المُضيّ في مخطط مركّب اعتمد على وصم السعودية بالانغلاق والتشدد وتفريخ التطرف، في وقت يروّج هذا المحور الإقليمي لنفسه أمام الغرب ودول العالم كقوى منفتحة حضارية ترعى الحداثة والعصرنة وتنتج الثقافة والفنون.

على الرغم من إدارة الدول الثلاث، وتمويلها لمجمل الميليشيات التكفيرية المسلحة في الداخل العربي، السنية والشيعية، إلا أن الرواية التي يعتمدها هذا المحور أمام الرأي العام مفادها أن الإرهاب إنما يخرج من الأراضي العربية، ولا مفرّ من السيطرة عليه عبر جهود إقليمية من الخارج، تحت زعم أن الدول العربية السنيّة غير قادرة على مكافحة الإرهاب وغير مؤهلة للقيام بهذا الدور.

قدّمت إيران نفسها وفقًا لهذه الرواية المخادعة كقوة مهمتها دحر التطرف والإرهاب السنيّين، وطرحت تركيا اسمها كبديل سنيّ معتدل يمزج بين الإسلام والقيم الغربية العصرية، واستفادت قطر عبر تمويل تلك المشاريع المتناقضة التي تتبنى الشيء ونقيضه بغرض السطو على النفوذ الإقليمي التاريخي للقوى العربية ذات الثقل الروحي والمادي إقليميًا ودوليًا.

تمكُّنُ السعودية من عزل التطرف السلفي، ليس مؤداه فقط استعادة المجتمع لهويته وحيويته وبعث الروح الإبداعية في ربوعه في كل المجالات، إنما أيضا الحيلولة دون تمكين القوى الطامعة من توظيف التنظيمات السلفية بتنوعاتها كحصان طروادة لاختراق العمق العربي، والانخراط في صراعات مذهبية تهدد المجتمعات والدول العربية.

تحييد القوى الطامعة

Thumbnail

تنتصر السعودية عبر مشروع الإصلاح الديني والانفتاح الاجتماعي والتطوير الثقافي للصورة الحقيقية للدين الإسلامي، بعيدا عن استغلال تيارات مدعومة من الخارج، وبمعزل عن توظيف الإسلام لتحقيق أغراض توسعية لحساب قطر وتركيا وإيران.

لذلك يتحسّب هذا المحور من نتائج الإصلاحات السعودية، لأنها يمكن أن تقرّب بين العالمين الإسلامي والغربي عبر واسطة عربية منفتحة ومعتدلة، ما يعني كشف هذا المحور وكبحه وإبطال حجج تدخلاته.

تحرص قطر، التي تتحكم تمويلًا ورعاية في العديد من الشخصيات التي صنعت على مدى عقود تلك الكتل المتصلبة من المناهج والأفكار الرجعية المتشددة، على ألا يُكتب لمشروع الإصلاح السعودي النجاح، وألا تتأثر التيارات الأصولية في كل بلاد العالم بتلك الإصلاحات.

وتلجأ الدوحة إلى حيلة قديمة استخدمها دعاة الإسلام السياسي، عبر الخروج بتجديد هامشي يتعلق بجزئيات لا تؤثّر في صلب توجه هذا التيار، ولا تتسبب في إعاقة مشاريعه كحيلة برعت في استخدامها جماعة الإخوان لاختراق المشهد السياسي وطمأنة التيارات الفكرية الليبرالية واليسارية.

طرح منظّرو جماعة الإخوان نماذج لهذا التجديد المخادع، مثل الداعية يوسف القرضاوي، فقد أظهر التيسير الفقهي في مسائل فرعية بينما بقيت المنظومة الفكرية المؤسسة لمشروع الإسلام السياسي في السلطة كمناوئ تكفيري لتيارات وقوى دينية وفكرية على الساحة دون تغيير.

انتقل التجديد والإصلاح الديني والفكري على يد السعودية إلى المشهد الصحوي والسلفي الأصولي، ويمكن اعتباره حدثا تاريخيا مفصليا، ما دفع قطر لتسريب بعض المقاطع لأصوات سلفية تحتضنها وتنشط ضمن محورها، مبدية اعتذارات خجولة دون المساس بالهدف الأكبر الذي تخدمه داخل المنظومة الشمولية، ودون إجراء مراجعات منهجية تصرف جيوش الميليشيات الإرهابية عن بث الفوضى في الداخل العربي، تحت عناوين الحاكمية والخلافة والطاغوتية والجهاد.

يكمن الهدف الظاهر من تسريب اعتذار الحويني الهامشي في اختطاف تفسير ما المقصود من التجديد والإصلاح السلفي ومحاولة تشتيته عن مساره الأصلي كي لا يحقق أهدافه، وصرف الأنظار عمّا تقوم به الرياض ودعاتها ونخبتها من مجهودات أو على الأقل التشويش عليها.

وتحاول قطر احتواء تداعيات الإصلاحات السعودية للعب ازدواجية أخرى، عبر مواصلة دعم التطرف الأصولي بإسهامات تركية إيرانية، والإبقاء على الأفكار الرئيسية المؤسّسة له كسبيل تجده ضروريا للتقدم خطوة نحو زعامة العالم الإسلامي السنّي والشيعي.

وتدعم تيار التكفير والتطرف السلفي بالداخل العربي بشتى الطرق، كعرضها مؤخرا على قناة الجزيرة فيلما يمجد جهيمان العتيبي بعنوان “ما خفي أعظم.. جهيمان من زاوية أخرى”، بالتزامن مع هجوم رموز بالدعوة السلفية، ومنهم ياسر برهامي وحاتم نجل أبوإسحق الحويني على الإصلاحات السعودية.

كما تحرص الدوحة على تحجيم تأثير الإصلاحات السعودية وتجنيب التيار السلفي في مختلف بلاد العالم بها من خلال الترويج لإصلاح سلفي مواز مزعوم عبر مشايخ تحتضنهم وتوفّر لهم الدعم المالي.

13