اعتذار المتطرفين

كان ابن الجصاص ثرياً حقاً لكنه كان أحمق بما يكفي ليروي الناس عنه ذلك الدعاء العجيب “اللهم اغفر لي ذنوبي ما تعلمُ منها وما لا تعلم”. فيا له من استغفار ويا له من اعتذار.
الجمعة 2019/05/10
ريثما يصلح المتطرفون خطابهم الاعتذاري ويحوّلوه إلى خطوات علمية، على غيرهم أيضاً أن يراجع نفسه

كان يعيش في بغداد رجل ثري مشهور اسمه ابن الجصاص الجوهري، حمل مرة بطيخة هدية للوزير الخاقاني ابن الفرات، وحين اقترب منه في شرفته على شاطئ دجلة، وبدلا من أن يناوله الهدية، بصق في وجهه ورمى البطيخة في النهر، وكان يريد فعل العكس، فاضطر إلى الاعتذار مرتبكاً متلعثماً وقال “سامحني يا مولاي أردت أن أبصق في وجهك وأرمي البطيخة في دجلة”، فقال له الوزير “هكذا فعلت يا جاهل”.

هل أتاكَ حديثُ أولئك الذين كانوا يلوّحون بعصيّهم أمام وجوه الناس مخوفين إياهم من الدنيا والآخرة وحتى ما بينهما من عذابات القبر، بأصواتهم المحشرجة، فجأة تجدهم يرفعون الزهور اليوم، ويقدمون الاعتذار عن الماضي. وكأن سيول الدماء والتجهيل والتخلف والرعب كلها كانت مجرد هفوة.

لا بأس. فهذا أفضل من السابق، ولعلها بداية الطريق. ولكن هذا التحول لا يجب أن يتوقف على الألفاظ المعسولة، بل يجب أن يتعداها إلى العمق الفكري للظاهرة التي حوّلتنا من أصحاب حضارة إلى همج بأثواب قصيرة ولحى عشوائية ومساويك ملوية.

كثيراً ما يسألني الأوروبيون؛ كيف تكتبون وتبدعون في الشرق وهناك ما يهددكم بتطبيق الشريعة وغيرها؟ وهو سؤال ينم ليس عن جهل أصحابه وحسب، بل يتحمل مسؤوليته أولئك المتطرفون الذين قدّموا صورتنا هكذا، وكأن الإسلام هبط من السماء قبل سنوات قليلة فقط، ماحين قروناً من التقدّم والتطور عاشها العالم بفضل العرب المسلمين. وكنت أجيبهم بأن ذلك الأمر لم يكن مشكلة في بغداد أو دمشق أو قرطبة، حين كانت تلك العواصم مراكز إشعاع تمديني أثر في العالم كله. لكن الجهل غلب فتراجعت التنمية.

وريثما يصلح المتطرفون خطابهم الاعتذاري ويحوّلوه إلى خطوات علمية، على غيرهم أيضاً أن يراجع نفسه؛ حكام ومثقفون وفنانون ونخب منافقة وطبقات اجتماعية، فلم يكن هؤلاء المتطرفون بلا رعاية ولا دعم كبير أو صمت كبير سهّل لهم ما كانوا يفعلون. ولم تكونوا أنتم في غيبوبة.

وما هو أسوأ من شماتة المجتمع باعتذار المتطرفين، هو تناسي المجتمع ذاته أنه كان شريكاً متواطئاً مرتاحاً للمتطرفين في كل لحظة مضت، لم يحتج ولم يتذمر ولم يرفض. حتى أن بعض الجهلة بات يسميه “البيئة الحاضنة للإرهاب”، في تعميم فاشي قبيح متداول كثيراً هذه الأيام دون أن يدرك الناس خطورته. ما سمح بقصف وتدمير الملايين من البيوت وقتل وتشريد الملايين من المدنيين بذريعة كونهم “بيئة حاضنة”.

كان ابن الجصاص ثرياً حقاً لكنه كان أحمق بما يكفي ليروي الناس عنه ذلك الدعاء العجيب “اللهم اغفر لي ذنوبي ما تعلمُ منها وما لا تعلم”. فيا له من استغفار ويا له من اعتذار.

24