اعتذار "المنار" للبحرين: الاستدارات الكبرى

الجمعة 2013/12/13

أن تعتذرَ المجموعة اللبنانية للإعلام (قناة المنار وإذاعة النور) التابعة لحزب الله عن تغطيتها «غير الموضوعية» لأحداث البحرين، فهو تطورٌ لافت يستحق التأمل.

وسواء كان أمرُ ذلك الاعتذار مراجعةً لسياسة الحزب الإعلامية، أو هو تسويةً ضرورية لتجنب الإقصاء من قبل اتحاد الإذاعات العربية (بعد مصادقة مجلس وزراء الإعلام العرب على توصية بذلك)، فإن موقفَ المنار بحدّ ذاته يُعدُّ تراجعا صاعقا عن بروباغندا ما فتئت تحرّض ضد نظام الحكم في البحرين لمصلحة الخطاب الإعلامي الواحد الذي راجَ على كافة وسائل الإعلام الإيرانية.

نأى حزب الله بنفسه عن حدث الاعتذار، ووصفه بالاجتهاد الذاتي لوفد المنار إلى اجتماع الاتحاد دون الرجوع إلى الحزب. كان غريبا أن يصدرَ عن الحزب هذا الموقف الركيك الذي لا يُقنع صديقا ولا يُربك عدواً. يعرفُ القاصي والداني طبيعة الحزب وخصوصية هيكله التنظيمي، كما يعرفُ استحالة أن يتصرفَ وفد المنار في مسألة هامة وجسيمة، كمسألة الاعتذار، دون أخذ المباركة الكبرى من قيادة الحزب المركزية.

لكن لماذا يذهبُ حزب الله إلى درجة الاعتذار عن أدائه إزاء المسألة البحرينية، أي بالمحصلة، اعتذاره من نظام الحكم ومن العائلة الحاكمة التي لطالما تعرّضت لهجمات متكررة وانتقادات مباشرة من السيّد حسن نصر الله؟

ثم ما منطق الاعتذار للبحرين بعد أيام على اتهام نصر الله للسعودية (الملتصقة سياسياً وجغرافياً بالبحرين) بالوقوف وراء انفجار السفارة الإيرانية في بيروت، كما بالوقوف وراء الجماعات التكفيرية في سوريا؟

ثم ما مقاصدُ هذا الاعتذار بعد أسابيع على قرار مجلس التعاون الخليجي باتخاذ تدابير عقابية ضد الحزب ومحازبيه؟ ثم، والأهم من كل ذلك، كيف نفسّر اعتذار الحزب من دولة البحرين التي يدعو نظامها إلى إدراج حزب الله على لائحة الإرهاب في العالم؟

اعتبرت بيئةُ الحزب أن الاعتذارَ «مثّل عاراً على مسيرة الشهداء» (على ما كتب رئيس تحرير جريدة الأخبار القريبة من الحزب). لكن في الحدث المفاجئ ما يُبرر تدفقَ الأسئلة التي لن يُقلل منها تنصّل الحزب من قرار وفد المنار. والمفارقةُ أن مقاربة الحزب الاعتذارية الجديدة للبحرين تتسقُ مع مسعى الحكومة الإيرانية بالانفتاح المعلن على دول الخليج، فيما يتناقض موقف الحزب من السعودية مع ذلك المسعى (المعلن على الأقل).

يوحي الأمر أن الحزب مُبرمجٌ لإطلالة إيجابية على كافة دول الخليج، طالما أنها، حسب أدبيات الحزب، غير متورّطة بالصراع في سوريا، وهو تقييم لا ينسحبُ على السعودية المتهمة بدعم التكفيريين، حسب الرواية المكررة لدمشق وللحزب (نصر الله يُقرُ بلقائه موفداً من قطر رغم موقف الدوحة الداعم للجماعات الإسلامية حسب تقارير عديدة).

على أن تراجعَ المنار عن خطابها الإعلامي ضد المنامة قد يشي بانقلابٍ في الخطاب الكليّ الإيراني ضد البحرين. قد يهدف تراجعُ المنار هذا، إلى تلويح طهران (لأن اعتذار المنار لا شك مُحِضَ بضوء إيراني أخضر) بالأوراق التي يمكن أن تتخلى عنها مقابل انفراج في علاقات إيران مع الدول الخليجية. ولا ريب أن كثيرا من المشككين سيصبّون حبرا على آخر للمحاججة في نوايا إيران بصدد تفكيك الموقف الخليجي وضرب وحدته.

وفي الوقائع ما يغذي تلك الشكوك. فالمقاربات الخليجية الراهنة إزاء طهران، على توحّدها الشكلي، تشهدُ تصدّعاتٍ ووجهات نظر تعبّر عن ذاتها في لقاءات المسؤولين الخليجيين بالمسؤولين الإيرانيين الأخيرة (في طهران وبعض عواصم الخليح)، أو في الموقف العُماني الصاعق برفض صريح وعلنيّ للمشروع السعودي بإقامة الاتحاد الخليجي.

وإذا ما كان اعتذار المنار تفصيلا سياسيا إيرانيا بامتياز، فإن صدورَه عن إحدى مؤسسات حزب الله قد يطلق الإشارات الأولى للاستدارة التي يمكن للحزب أن يقوم بها، برمشة عين، في ملفات عديدة مهما بلغت درجة حساسيتها.

اعتذار المنار يُعرّي خطاب القناة المؤيّد للمعارضة البحرينية، وبالتالي يلقي أطنانا من الشكوك حول صدقية ما عرضته شاشتها من صور تتهم المنامة بانتهاك حقوق الشيعة واضطهادهم، لكنه أيضا يرسل إشارة لتلك المعارضة، أو بعضها، بحدود الاتكال على الدعم الإيراني وأدواته في صراع يُفترض أن يكون محليا يُحلُّ بالأدوات البيتية المقبولة.

وللأمانة، فإن المعارضةَ في البحرين (على ما سمعته شخصيا من بعض أركانها)، وإن كانت مرتاحةٌ لدعم دولةٍ اقليمية كبرى كإيران، إلا أن تدخل طهران (الإعلامي على الأقل طالما أن تقرير بسيوني الشهير لم يلحظ أكثر من ذلك) أحرجها في الداخل البحريني والخليجي، وحوّل مطالبها الإصلاحية إلى ورقة من أوراق الصراع بين إيران ودول الخليج. فقد قزّم الخطاب الإيراني مسعى المعارضة العام العابر للمذاهب وحشره بالشيعة، على نحو انزلق فيه الأمرُ إلى صدام سياسي واضح بين المكوّنين السنيّ والشيعي في الجزيرة.

لا تملك المعارضةٰ الشيعية في البحرين أمر الطلب من العملاق الإيراني عدم التدخل في شؤون الأزمة في البحرين (ولم تفكر أساساً أن تفعل). ولا يمكن لتلك المعارضة أن ترفضَ العون الإيراني المرسل من طهران وبغداد وبيروت، طالما أنها لا تملك بوسائلها المحلية الذاتية تحقيق انتصارات ميدانية كبرى (بعد أن خُيّل لها في الأيام التي تلت حراك 14 فبراير 2011 أنها على وشك إسقاط البلد في يدها).

لكن موازين القوى البحرينية والخليجية أظهرت مناعةَ تلك الدول، كما كتمت تبرما مضمراً لتلك المعارضة من تدخل طهران الذي يسبب لها ضيقاً عاليا يجعلها تبذلُ جهداً لا ضرورة له لإثبات عدم تبعيتها للمركز في طهران.

ولاشك أن سياسة إيران، وبالتالي حزب الله، إزاء البحرين قدّمت من حيث لا تريد خدمات كبرى للحاكم في المنامة. فقد تحررت الدبلوماسية في البحرين من أعباء العامل الداخلي وجرى إلصاق الأزمة بالصراع مع إيران (المتورّطة أصلاً بصدام معلن مع العالم).

يؤسسُ اتفاق جنيف بين المجتمع الدولي وإيران لعهدٍ جديد واعد بين العالم وطهران. تتطلبُ روحية الاتفاق، غير المعلنة، استداراتٌ كبرى وانقلابية في مقاربة الجمهورية الإسلامية للعالم.

في ورشة تلك الاستدارات ستطفو علامات الصراع داخل إيران بين حراسِ الأمس ومحافظيه، وحراسِ الغد وإصلاحييه. وفي ورشة التحوّلات سيلعبُ حزب الله دوراً رئيسيا في دفع تلك الاستدارات أو تعطيلها وفق أمزجة صراع النفوذ داخل أروقة الحكم في طهران.

من المبكّر المخاطرة في استشراف تراجعات واستدارات ذاتية متوقّعة لحزب الله. فالحزب، بسبب كينونته اللبنانية، سيحتاجُ إلى تمرين من هذا النوع يأخذ في الاعتبار موقعه السياسي داخل لبنان، ويأخذ في الحسبان، منطقيا، موقع لبنان في المنطقة والعالم، كما مصلحة اللبنانيين المنتشرين في بقاع الأرض. ولاشك أن تلك التراجعات ستكون جذرية كبرى بحكم منطق تطور الأشياء، لاسيما ما يفرضه اتفاق جنيف على طهران وعلى أدواتها.

على أن مرونةَ حزب الله الطارئة والغريبة عن طينته، تستلزمُ حكما انسحابه بشكل كامل من الساحة السورية، على نحو يمنح إشاراته الانفتاحية أو التراجعية صدقية الحدَ الأدنى، وهو أمر لا يبدو أنه محتملٌ في القريب العاجل. لكن مراجعات الحزب أضحت ضرورية ومطلوبة، على ما يبدو، من داخل الحزب ومن داخل الطائفة الشيعية والتي لاشك أنها ستجد لها موقع ترحيب لا شماتة (وفق مقال عن الموضوع للسيّد هاني فحص).

وفق التطورات الحالية، من حقّ المنامة أن تنتشي باعتذار المنار وتهنأ لخياراتها الداخلية. الأمر يدفعها لإطلاق العنان برشاقة لدعوات الحوار والتعاون مع طهران (آخر تلك الدعوات أطلقها نجل الملك البحريني الشيخ ناصر بن حمد قائد الحرس الملكي البحريني).

ووفق اعتذار المنار سيتقدّم ملف الانفتاح الإيراني مع البحرين (نظرياً) من ضمن سعي وزير خارجية طهران جواد ظريف مع عواصم المنطقة. لكن الأهم من ذلك، أن اعتذار المنار للبحرين قد يشكّل أرضية لتذليل عقبات العلاقة المعقّدة والأساسية على مستوى المنطقة بين طهران والرياض. فأحيانا تكفي إزالة حصى لتتدحرج الجبال.

صحافي وكاتب سياسي لبناني

9